رواية حارة العاشقين الليلة التاسعة عشرة

رواية حارة العاشقين الليلة التاسعة عشرة من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا و الأربعين حـرامي ج١ 
مذعنة لظلمة الغرفة وبؤسها، لم تكن هناك سوى أضواء شاحبة راقصة تلقيها شظايا مدفأة خشبية قديمة، كانت تتأكل في الزاوية كأنها تجتر أنفاس الشقة العتيقة. مع كل عود حطب يحترق، كان ينبعث فحيح خافت، يمزق الصمت الثقيل المطبق بينهما. ومن خلف النوافذ المغلقة، كان قصف الرعد الخارجي يدوي على فترات متباعدة، كأنه صدى للزلزال الذي ضرب أنفسهم، يتبعه وميض البرق الخاطف الذي كان يرسم ظلالهم المشوهة على الجدران العارية.
تلاشت الكلمات تماماً.. ولم يتبقَّ في جوف الحجرة سوى دقات منتظمة، رتيبة، وقاسية لعقارب ساعة حائط عتيقة، تلسع صمت المكان كأنه سوط الزمن الذي لا يرحم.
على الأريكة المخملية العريضة، كان جسد ندى ممدداً بوهن شديد، كعصفور جريح ألقت به العاصفة في غيابة الجب. وجهها الشاحب، الذي خطت عليه الكدمات والظلال البنفسجية خارطة من القهر، كان يرتعش مع كل قصف رعد.لم يكن هناك مشهد تفصيلي، ولم يكن هناك فحص يخدش حرمة براءتها؛ بل كانت حركات كارين صامتة، دؤوبة، وممتلئة بوقار الموت الطبي. امتدت يدا كارين بقطعة قماش دافئة، تمسح الجروح برفق شديد، في حركة إنسانية خلت من أي تشفٍّ، حانية كأنها تضم جرحها هي القديم.وعلى مسافة خطوات، 
عند تلك المدفأة، جلس صخر على الأرض الباردة مستنداً بظهره إلى أحد الأعمدة الرخامية التي تتوزع في أرجاء الفيلا الفاخرة، مولياً إياهن ظهره، وغير مكترث لبرودة الطقس ولا لجمود السيراميك من تحته؛ كمن يفر من مواجهة الحقيقة، أو يخشى أن تقع عينه على عورات بيته التي انتهكها الشك. كان مستسلماً لسطوة الصمت، مستمعاً لـ فحيح خافت ينبعث مع كل عود حطب يحترق ليمزق السكون الثقيل،تلاشت ملامح الطاغية التي أرعبت الحارة لسنوات؛ انحنت قاماته العريضة، واستند برأسه الثقيل إلى الجدار البارد، مغمض العينين. لم يكن يملك سوى النظرات الخاطفة التي يسرقها بين الحين والآخر نحو زوجة شقيقه المتوفى؛ نظرات محملة بذلّ الاستجداء، وخوف عارم من أن تصدق ظنونه، وخجل يكويه من ماضيه معها،كان الصمت بينهما يغلي، مدفوعاً بنبض الساعة، وصوت الحطب الذي يتكسر في جوف النار مخلّفاً رماداً يشبه مستقبلهم..

وفي الجانب الآخر من المدينة، تحت سماء غسلتها الأمطار اللزجة،قبل أن تصل سيارة الإسعاف التي بدا أن دقات عقاربها تتواطأ مع الموت،كان يوسف ممدداً على الأرض الباردة، وجسده غائب في صدمة مروعة فصلت بينه وبين الوعي،كانت لميس جاثية على ركبتيها في الطين، منهارة بالبكاء، وقد سندت رأسه الشاحب على حجرها..
وفي تلك اللحظات المشحونة،كانت صافي تقف على مقربة، ترتعد وتنظر بذهول وعينين متسعتين إلى هذه الفتاة التي تفيض قهرًا؛ لم تكن صافي تدري من هي، ولم تطرق عقلها بعد تلك الحقيقة المخبوءة في رحم الغيب، بأن هذه الباكية ليست سوى شقيقتها التي عادت من إنجلترا، والابنة الشرعية ومع ذلك الغموض الذي يلف هويتها، شعرت صافي بنفضة تعاطف غريبة تجتاح صدرها، مجرد أن أدركت أن هذه الفتاة المنهارة هي زوجة يوسف، ابن عمها الذي يصارع الردى..
رفعت لميس رأسها فجأة نحو الفراغ المحيط بها، وبصوت مزقه النحيب صرخت مستنجدة:
"سليم!"
كان يوسف عاجزاً عن النطق، شفتيه باهتتين لا تحركان حرفاً،لم ينتظر سليم الذي تشنجت ملامحه بالرعب الكامل، وانحنى بجسده الضخم لينتشل شقيقه من الأرض، حمله بين ذراعيه القويتين، منهاراً يبكي برعب لم تعرفه عيناه من قبل، وهو يرى الكدمات الشديدة والدماء التي صبغت وجه يوسف، هرول به نحو السيارة، وفتح الباب الخلفي لينيمه على المقعد بعجلة يائسة..
دلفت لميس خلفه على الفور،جسدها يرتجف ببرد الطريق وفجيعة المشهد، لتجلس بجوار يوسف وتسند رأسه مجدداً في حجرها، ممسكة بأطراف ثيابه كأنها تتشبث بروحها التي تسحب منها ومن بعدهما، تحركت صافي بخطوات متعثرة لتستقل المقعد الأمامي بعد أن أغلق سليم الأبواب بقوة هزت أركان السيارة، وانطلق بها يشق شوارع المدينة كالسهم وسط غزارة الأمطار..
ـ
ومع انقشاع سحابة الليل الطويل، عاد السكون ليخيم على الشقة خمدت جذوة المدفأة ولم يبقَ منها سوى وهج ضئيل، وتلاشت أصوات الرعد تماماً، تاركة الشارع في صمت مطبق، وفي تلك اللحظة الفاصلة بين غسق الليل وبواكير الفجر، انساب عبر النوافذ الزجاجية صوت أذان الفجر خافتاً، نادياً، يحمل في طياته سكينة تعلن انتهاء جحيم تلك الليلة الطويلة، ترقق الصوت في خلفية المشهد كأنه ترتيلة تطهير للأرواح المعذبة بالداخل..
استقر صخر في جلسته على الأرض الباردة قبالة المدفأة الخشبية، متوسداً كفيه حول رأسه المثقل بالهموم،استمع لصوت الأذان بقلب خاشع لأول مرة بعد أن استقرت روحه وعلم أن ابنته طاهرة، وأن الشك لم يكن سوى طيف شيطاني تلاعب بأسوار بيته، فهمس لنفسه بتعب نابع من أعماقه:
"لسة عمتك بيضا يا ابن الجبالي.. ربنا سترها معاك."
تحركت كارين بهدوء وجلست على الأرض بجواره قبالة المدفأة الخشبية، تراقب ابنته النائمة بنظرات حارسة، التفت صخر نحوها، وأدار وجهه إليها محاصراً بحيرة ثقيلة؛ لم يعرف أيليق به أن يعتذر لها عما مضى، أم يشكرها على ما فعلت الليلة؟
لكن كارين لم تمنحه ترف التفكير، إذ قطعت حيرته بكلمات حاسمة ألقتها دون أن تنظر إليه:
"خد بنتك وأمشي.. مش عايزة أشوفك ثاني."
انفرجت ابتسامة خافتة على شفتي صخر، ونهض من مجلسه بتمهل يلتفت حوله باحثاً عن معطفه، وتمتم متسائلاً:
"الجاكيت فين؟"
نظرت إليه كارين، وتملكتها سخريتها المعتادة التي لا تغيب حتى في أحلك الظروف، فتمتمت بتهكم:
"إلهي يلبسك جن ما يخرج منك! كنت عارفة إنك مش هترجع كريم."
في تلك اللحظة، انطلقت ضحكة عالية وصافية من شفتي صخر هزت أركان الغرفة الباردة،لكن كارين التي كانت تخبئ سلاحاً آخر لمعرفتها بأسرار العائلة، باغتته قائلة:
"أنا عرفت أن مرات كريم عايشة في بيت الجبالي بأمر منك.. ويا تري هتاخد ميراثها، وقطعت المياه والكهربا وجمدت حساباتها شبهي ولا رضيت عنها علشان سمعت كلامك و فضلت هناك؟"
ارتدى صخر معطفه بتمهل، وارتخت ملامحه المتشنجة فجأة؛ فهو في حقيقته يستمتع بهذا الحوار الشرس والتحدي الذي لا ينتهي معها طوال الوقت، فرد بنبرة حملت خبثاً دفيناً:
"أنا دلوقتي بس فهمت كريم اتجوز عليكِ مياسين ليه!"
تجمدت ملامح كارين تماماً، واشتعلت عيناها بغضب مباغت، فامتدت يدها تلتقط المنفضة الزجاجية الثقيلة من جوارها لتتهيأ لقذفها في وجهه وهي تصرخ:
 "قصدك إيه؟"
لم يرتبك صخر، بل تحرك بخفة وجلس ببرود على سطح المنضدة الرخامية المواجهة لها، أخرج علبة السجائر من جيب معطفه، وتناول واحدة وضعها تتوسط شفتيه، ثم أشعلها بقداحته ونفث دخانها في الهواء وهو يتابع استفزازه:
"كريم كان راجل طيب وعايز واحدة شبهه.. مياسين واللي أنا شايفه أنها عكسك في كل حاجة."
رفعت كارين المنفضة وعيناها تتوعدانه، وأقسمت في سرها أنها ستضربه بها إن لم يتراجع:
"اطلع برة أحسن لك!"
حاول صخر كتم صوت ضحكته، واقترب منها خطوة ثم خطوتين بثقة واثقة، امتدت يده اليمنى ليمسك المنفضة من يدها برفق مستفز، ثم أنزلها بين يدها اليسرى ليتخذ منها متكأً يفض فيها رماد سيجارته المتناثر، في حركة بلغت ذروة الاستفزاز، وقال وهو ينظر في عينيها مباشرة:
 "أنتِ ست متوحشة وشرسة."
لم تتراجع كارين، بل اندفعت لتقبض بيدها الأخرى على ياقة معطفه بعنف، وسألته بنبرة متحدية:
"ولما هي عاجباك .. ما تتجوزها وتسيبني في حالي؟"
أنزل كفيها عن معطفه بهدوء لم يخلُ من مكر، وسألها وعيناه تلمعان بخبث:
"يعني مش هتتجوزي؟ هتعيشي على ذكراه؟"
تهكمت كارين على حالها بمرارة دافرة؛ لقد خدعها زوجها المتوفى وتزوج في السر، تاركاً خلفه زوجة ثانية وبنات جئن يطالبن بالميراث ليزاحمن بناتها، بالإضافة إلى القضايا والصراعات المريرة التي تخوضها ضد شقيق زوجها القابع أمامها الآن،مدت يدها فجأة وبحركة سريعة انتزعت السيجارة المشتعلة من بين أصابعه، ووضعتها بين شفتيها تأخذ منها نفساً عميقاً، ثم جلست على الأريكة قبالته بنفاد صبر:
"هو اللي يتجوز من عيلتكم هيبقي عنده نفس يتجوز ثاني"
أخرج صخر علبة السجائر من جيب معطفه بأريحية، وجلس على الكرسي المقابل لها. سحب من العلبة سيجارتين دفعة واحدة؛ وضع الأولى بين شفتيه، وأشعلها بقداحته، ثم مد يده اليمنى ليعطيها لها مشتعلة، وفعل بالمثل مع السيجارة الثانية لنفسه،جلس الاثنان متقابلين في صمت نبت من رحم العاصفة، يدخنان السجائر معاً في الغرفة الشاحبة، وكأن كل منهما يخرج مع ذلك الدخان المتصاعد همه المكبوت وصراعه الذي لا ينتهي.
ـ
..ما إن فرملت السيارة بعنف أمام بوابة المستشفى العام،حتى قفز سليم من مقعده، فتح الباب الخلفي وحمل يوسف مجدداً بين ذراعيه،راكضاً به عبر الممرات الباردة نحو الطوارئ بصوت هادر متحشرج يستدعي الأطباء، بينما كانت لميس وصافي تركضان خلفه بهلع ولم تكن إلا لحظات حتى اندفعت الحمالة الطبية السريعة عبر الممرات الرخامية، ليتسلم الأطباء جسد يوسف،كانت لميس تركض بخطوات متعثرة،يداها الملطختان بدمائه كانت ممسكة بأطراف ثيابه كأنها تتشبث بروحها التي تسحب منها،وعيناها الشاخصتان لا ترى سوى وجهه الشاحب وسط دموعها المتصلة،وخلفها ببضع خطوات،كان "سليم" يتقدم ملامحه التي اعتادت المزاح تشنجت بالرعب الكامل على شقيقه بينما كانت صافي واضعة كفها على فمها لتكتم شهقات البكاء التي تملأ صدرها من منظر ابن عمها الذي يصارع الردى. انغلقت أبواب غرفة العمليات المعدنية الثقيلة بوجه الجميع في الممر البارد، تحاصرهم رائحة المعقمات اللعينة وصوت الآلات التي تعلن بدء المعركة لإنقاذ حياة يوسف..
ـ
بدأت خيوط الشمس الأولى، خيوط ذهبية شاحبة ونقية، تتسلل ببطء عبر الشقوق، لتمتد في خط مستقيم ناصع، حتى استقرت برفق فوق وجه "ندى" النائمة بسلام. أضاء النور ملامحها الطفولية، وغسل بقايا الظلمة عن وجهها، ليعلن شروق يوم جديد، نبتت فيه الحياة مجدداً من رحم الرماد.
ـ
نهاية الليلة التاسعة عشرة