رواية حارة العاشقين الليلة العشرين

رواية ​حارة العاشقين : الليلة العشرون من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا و الأربعين حـرامي ج١ 
على الجانب الآخر من المدينة، حيث تتشابك خيوط المصائر في عتمة الليل، كانت الأجواء داخل شقة "كارين" مغلفة بغمام كثيف من الترقب و الدخان 
نفثت كارين دخان سيجارتها ببطء من بين شفتيها، ملقية برأسها إلى الخلف على المقعد، وهتفت بنبرة يغلفها الإرهاق كمن يعلن استراحة محارب:
"دي هدنة مؤقتة ما بيننا؟ و لا بتفكر في حاجة؟"
أطلق صخر ضحكة رجولية عالية رنت في أرجاء الغرفة، وببرود تام امتدت أصابعه لتسحب سيجارة أخرى من علبته ويشعلها. وقفت كارين تشخص ببصرها نحوه بذهول حقيقي؛ فهذا الرجل لم تمر سوى ساعات قلائل على خضوعه لعملية جراحية دقيقة لإنقاذ قلبه من جلطة كادت تودي بحياته، وها هو الآن يدخن بشراهة لا تصدق!
أردفت كارين بلهجة مستنكرة:
"دي رابع سيجارة تشربها أنت ناسي أنك عاملة عملية؟!"
ارتسمت على وجه صخر ملامح الاستخفاف والسخرية، وطالعها بنظرة غامضة وهو يقول:
"فرصتك علشان تخلصي مني و ترجعي املاكك و ابنك؟"
لوت كارين ثغرها بملل، وهتفت بسخريتها المعهودة التي تتقن تدمير غروره بها:
"لو مت الحاج صالح هياخد مني كريم بالوصاية يعني مش هستفاد حاجة من موتك."
تهكم عليها صخر، وتعمد أن ينفث سحابة الدخان الكثيفة مباشرة في وجهها، محاولًا إثارة غيظها كعادته، وقال بنبرة متهدجة:
"و ماله."
دارت عيناها في أرجاء الغرفة المتواضعة، وحاولت جاهدة التظاهر باللامبالاة وهي تسأله بصوت خفيض:
"متعرفش حد يشتري عفش البيت؟"
اتسعت عينا صخر بصدمة ألجمت لسانه لثوانٍ. هل وصل بها الحال وبسبب تضييقه عليها إلى حد بيع أثاث منزلها لتدبر قوت يومها؟
"عايزة تبيعي عفش بيتكِ يا كارين؟!"
استقامت في جلستها بصلابة تخفي خلفها انكسارها، وأجابته بعزة نفس جريحة:
"و طلبت شغل من كمال في مكتبه."
ما إن طرق اسم "كمال" مسامعه حتى استشاطت شياطينه غضبًا؛ فتلك الفكرة بحد ذاتها تنهش كبرياءه.. كيف تفكر في طلب العون من رجل آخر غيره؟! سارع على الفور بإخراج ورقة ضغطه الرابحة التي يبتز بها مشاعرها دائمًا، قائلًا بوعيد:
"يبقي اعتبري نفسك اتنازلت عن ابنك."
تهكمت كارين على مرارة حالها، والدموع تحتبس في عينيها:
"كريم هبقي مطمن عليه معاكم هياكل و يعيش و يتعلم."
سألها صخر بحدة، والغيرة والغضب يعتصران نبرته:
"يعني طلبت شغل من الغريب و أخو جوزك مستكبرة تطلبه منه؟!"
انتفضت كارين وهي تجيبه بعينين تشتعلان كبرياءً:
"الغريب معملش اللي أنت عملته فيا!"
طالعها صخر بوجوم وصدمة؛ لقد أدرك في تلك اللحظة أنه أغلق كل الأبواب في وجهها حتى لم يترك لها متنفسًا،وقف من مكانه متجهًا نحو باب الشقة بملامح منزعجة وقاسية، فسألته وهي تلحظ تيبس ملامحه:
"أنا مش فاهمة أيه اللي مضايقك؟"
التفت برأسه دون أن يجيبها، ووجه بصره نحو سيارته القابعة خارج البناء،
سألته كارين مجددًا بنبرة يائسة:
"مردتش عليا متعرفش حد يشتري عفش البيت؟"
التفت إلي كارين قائلاً بنبرة تقطر سمًا وتهكمًا:
"البركة في كمال!"
​في تلك اللحظة الحرجة، صدح رنين هاتفه مستهجناً صمت المكان، وكان المتصل ابنه الأكبر "سليم". أجاب صخر بصوت أجش يحاول استجماع هيبته:"أنت فين يا سليم؟"
​جاءه صوت سليم متقطعاً، يغالبه بكاء ونحيب مرير لم يعهده صخر في ابنه البكر من قبل، وهو يصرخ بقلب محروق:
 "يوسف في العناية المركزة!"
​لم تكن الكلمات مجرد خبر عبر الهاتف، بل كانت كصدمة كهربائية قاتلة ضربت عضلة قلبه الجريحة التي لم تبرأ بعد. شعر صخر فجأة بطعنة نافذة وجارحة في منتصف صدره، كأن سيخاً من نار انغرس في صلب قلبه.
​انقطع الأثير من حوله، وتلاشت الألوان والأصوات. انفرجت شفتاه بطلب يائس للهواء لم يصله، وتيبست أطرافه بينما ارتجفت ركبتاه بعنف. وفي أجزاء من الثانية، خانته ساقاه اللتان حملتا هيبته لسنوات، واختل توازنه تماماً ليتهاوى ذلك الجسد الضخم كجبل ينهار دفعة واحدة نحو الأرض الباردة!
​صرخت كارين بذعر حقيقي هز أركان الشقة وهي تندفع نحوه بسرعة البرق:"صخر!"
​حاولت سنده بكل ما أوتيت من قوة، لكن ثقل جسده المرتخي والفاقد للوعي تماماً غلبها، لتسقط معه أرضاً وهي تحاول حماية رأسه من الارتطام. ارتجف صدر صخر بأنفاس متلاحقة ومخنوقة، بينما غاب وعيه في عتمة تامة، ووجهه يتلون بشحوب الموت:
"يوسف في العناية المركزة"
​هرعت تنادي أولاده الثلاثة من السيارة فزعين على أثر صراخ كارين المدوي، ليدخلوا الشقة ويجدوا والدهم ملقى على الأرض مغشياً عليه، وكارين تحتضن رأسه بلهفة حقيقية والدموع تفر من عينيها وهي تصرخ فيهم:
 "إزاي سليم يقوله أن يوسف في العناية المركزة!"
​تعاون الجميع بقلوب مرتجفة ودموع منهارة على حمل جسد صخر المستسلم تماماً للصدمة،نظروا إليه بضياع؛ فالسند والظهر الذي كان يحميهم بات الآن جثة هامدة بين أيديهم،
​أركبوه المقعد الخلفي للسيارة برفق، بينما تخلفت كارين لثوانٍ معدودة داخل الشقة لم تنتبه أنها حافية القدمين ثم نظرت بقلب ممزق إلى الصغيرة "ندى" المستغرقة في نوم عميق على الأريكة، ولم تجد بداً من حمايتها؛ فسحبت الباب خلفها بسرعة وأوصدته بالمفتاح بعناية، ثم انطلقت معهم في رحلة مرعبة محفوفة بالموت والانتظار!
-​في غياهب مكتب التحقيق الضيق، حيث تئن جدران قسم الشرطة بملفات البؤس، كان وكيل النيابة "عاصي" يجلس قابعًا خلف مكتبه الخشبي، يطوق هاتفه بقبضة متوترة وهو يستمع إلى رنين بلا مجيب.. لقد كان يطارد طيف شقيقه "أمير" عبر أثير الهواتف المغلقة، ليأتيه الرد الآلي البارد: "عفوًا، الهاتف المطلوب غير متاح حاليًا".
​زفر عاصي بضيق وضغط على زر إعادة الإتصال بشقيقه الآخر "شريف"، وما إن أتاه صوته حتى بادره بنبرة حادة:
​"أمير قافل موبايل بتصل به غير متاح!"
​أتاه صوت شريف متهكمًا، حاملاً ضجيج الصباح الرمادي:
​"تلاقي كان سهران مع واحدة معفنة شبهه و موبايله فصل و نايم."
​تلمظ عاصي بمرارة، وهو يداعب بأطراف أصابعه حواف ملف تحقيق ملقى على سطحه الخشبي:​"عندي تحقيق في حادثة عربية شكلي هتأخر"
​قاطع تنهيدته طرقات عسكرية رتيبة على الباب، تلاها دلوف العسكري حاملاً في يده كيسًا بلاستيكيًا شفافًا، مختومًا بأختام حمراء كأنها نذير شؤم:​"كاميرات المراقبة يا عاصي باشا."
​وضع الحرز على الطاولة، فأشار إليه عاصي بيده التي أنهكها التعب:​"عايزة كوباية قهوة.."
​"حاضر يا عاصي باشا!".. أدى العسكري التحية العسكرية وانصرف مغلقًا الباب وراءه.
​ألقى عاصي الهاتف فوق الطاولة بضيق، وشرع يخط بجرير قلمه الإجراءات الروتينية ريثما يعود سكرتير الجلسة:​"أمرت النيابة العامة بالإسكندرية بفض حرز ذاكرة التخزين الرقمية، وتفريغ لقطات كاميرات المراقبة للوقوف على ملابسات الواقعة، لحين معرفة الجاني المذكور..."
​ضغط على زر تشغيل الحاسوب، ودس ذاكرة التخزين الفلاشة في منفذ الجهاز، وما إن تحركت الصور على الشاشة حتى تجمدت الدماء في عروقه، اتسعت عيناه بذهول مرعب، وكأن صاعقة ضربت كيانه،الفتى الذي يدهس المارّة في الفيديو ويهرب كالجبان ليس غريبًا.. إنه شقيقه الأصغر! ​بيد ترتجف، انتزع الفلاشة من الحاسوب ودسها في أعماق جيب معطفه، ثم التقط الهاتف مجددًا واتصل بابن عمه "باشا". أتاه صوت الأخير ضاحكًا بعبثية:
​"لحقنا نوحشك؟"
​حاول عاصي لجم أنفاسه المتهدجة، وصاح بنبرة جافة كأرض قاحلة:​"باشا.. افتح مكبر الصوت!"
​انقبض قلب باشا واستشعر خطورة النبرة:
​"في أيه عاصي؟"
​"افتح الميكروفون يا باشا خليهم يسمعوا المكالمة!"
​خرج عاصي من مكتبه يجر خطاه بآلية وذهول، وركب سيارته ينطلق بها كالمجنون في شوارع المدينة، وحين تأكد أن صوته بات مسموعًا لرجال عائلة المصري، ألقى بقنبلته:
​"القضية اللي بحقق فيها أمير هو اللي دهس الرجل بالعربية!"
​صدح صوت شريف هادرًا بغضب عارم اخترق سماعة الهاتف:​"علشان كده قافل موبايله عايز يهرب!"
​صاح باشا محاولًا لم شتات الأمر بصرامة:
​"اهدوا ،أنت عرفت مين اللي كان سايق العربية؟"
​أجاب عاصي وهو يتفادى السيارات بجنون، وعيناه مصلوبتان على الطريق:
​"المصيبة أن أخو اللي كان سايق العربية سليم الجبالي و ده بيلعب بثغرات القانون!"
​وقع الخبر عليهم كالصاعقة، فخيم صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت "أرغد" القلق:
​"أنا علاقتي بصخر الجبالي طيبة ممكن أتكلم معاه و نقفل الموضوع."
​ضحك باشا ضحكة سوداوية ساخرة:
​"و هتقوله أيه أبن عمي دهس ابنك بالعربية و العربية انفجرت و خرجناه بالعافية و نقلناه العناية المركزة و بين الحياة والموت فمعلش عديها المرة دي و أوعدك المرة الجاية هياخد باله؟!"
​تنهد باشا بعمق وهو يحاول استعادة هدوئه المزيف، خاصة بعد أن دلف ابنه "باشا الصغير" يتبعه "حمزة" ابن شقيقه الراحل، واللذان وقفا يشهدان بوجوم تلك الفضيحة المدوية التي جلبها عليهما أبن عمّهما المستهتر.
-​في تلك الأثناء، وراء الأبواب المغلقة لشقة أمير،كان الأخير يلملم شتات خيبته في غرفة نومه، يدس ملابسه وأغراضه بهلع داخل حقيبة جلدية ملقاة على الأرض، بعد أن تخلص في الصباح الباكر من لوحات سيارته المعدنية كأنما يمحو أثر جريمته،​تقدم نحو باب الشقة وفتحه ليغادر، لكن قدميه تسمرتا في الأرض،كان أشقاؤه وأبناء عمه يقفون أمام الباب، عيونهم تنطق بالوعيد،تراجع أمير خطوة إلى الخلف برعب، شاخصًا ببصره نحو "باشا" الذي بدأ يخلع سترة بدلتة ببطء قاتل، في حين أغلق "عاصي" الباب خلفهم بقوة هزت أركان الشقة،
​ارتسمت على شفتي باشا ابتسامة باردة، تفيض بوعيد مرعب، وسأله بنبرة هادئة مستفزة:
​"رايح فين يا أمير؟"
​امتقع وجه أمير وتلوّن بالخزي والخوف وهو يتلعثم:​"أنا،أنا ،مسافر مع صحابي.."
​أومأ باشا برأسه موافقًا، بينما كانت أصابعه تفك حزامه الجلدي ببطء، ثم لفه حول كفه بإحكام:
​"و أسمك في قائمة الممنوعين من السفر و دي هتعملها إزاي أكيد لها حل شبه لوحة العربية؟"
​انفجر أمير باكيًا، محاولًا استعطافهم بعبارات واهية:​"مكنش قصدي هو اللي ظهر فجأة في الطريق!"
​أومأ باشا بنظرات خالية من أي رحمة:
​"هو ظهر لك فجأة في الطريق أصل هو طريق أبوك؟!"
​هبط الحزام الجلدي بقسوة ليمزق الصمت، وتلاقت مع لسعاته كلمات باشا اللاذعة التي كانت تنهش روحه وتجرده من رجولته قبل أن تجلد جسده:​"هتفضل في المزرعة لحد ما أروح لصخر الجبالي أتفق معاه!"
​نهاية الليلة العشرين