رواية حارة العاشقين الليلة الثانية و العشرين

حارة العاشقين : الليلة الثانية والعشرون من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا و الأربعين حـرامي ج١ 
استكان الصخب المحموم في أروقة المشفى قليلاً؛ فبعد ليلة قضاها "يوسف" معلقاً بين الأرض والسماء داخل العناية المركزة، بدت الأجواء وكأنها تأخذ استراحة محارب قصيرة، ليتوزع ثقل التوتر بين مشافٍ أخرى وأحياء بعيدة...

في الجانب الآخر من المدينة، وداخل إحدى غرف المزرعة، كانت بنات "باشا" يتبادلن أطراف الحديث في جلسة صباحية، بدأ الحديث خفيضاً يغلفه الأسى على رحيل عمّهن "مصطفى المصري"، قبل أن تتشعب أطراف الحديث وتنزلق نحو شوؤنهن الخاصة..
التفتت "ياسمين" نحو شقيقتها "فيروز" ورمقتها بابتسامة فضولية تسألها:
"عملت أيه مع ليل؟"
ضحكت "فيروز" بنبرة تفيض بالسخرية والاستخفاف، وهي تسوي خصلات شعرها:
 "مش هنكر أن ليل وسيم و شخصية لكن أنا وهو كأننا من عالمين مختلفين!"
رفعت "نور" حاجبها الأيمن في استنكار وتساءلت: "قصدك أيه بعالمين مختلفين؟"
تهكمت فيروز وهي تهز كتفيها: "ليل من حارة شعبية و طول الوقت عندهم خناقات و بعدين عايزني اتحجب و أغير استايل لبسي!"
ثم أطلقت ضحكة مدوية وأردفت وهي تتخيل المشهد:" تخيلوا ألبس عباية سودة و ايشارب مشجر و شبشب أفضل اطقطق به أنا قلت له خلينا زمايل في الجامعة أحسن!"
أنهت ارتداء ملابسها ووقفت قبالة المرآة لتتأمل هيئتها الفاتنة، ثم التفتت إلى شقيقتيها تسألهما: "أيه رأيكم؟"
غمزت لها ياسمين بمكر وقالت:
 "رايحة فين علي الصبح؟"
أكملت فيروز وضع لمساتها الأخيرة من الزينة أمام المرآة وأجابت بثقة:
"هلف علي صحباتي و نلف بالعربية مليش مزاج أروح المحاضرات النهاردة."
ألقت بقبلة في الهواء نحو شقيقتيها وغادرت الغرفة بخطى متهادية،حركت نور كتفيها بأعلى وغطرسة مشوبة بقلة حيلة وهتفت: "فيروز مش هتبطل شقاوة!"
حرّكت ياسمين حاجبيها بمرح متكلف، وغمزت لها قائلة: "الحمد لله أن باشا خرج بدري قبل ما يشوفها!"

عودة إلى جدران المشفى الصامتة...
جحظت عينا "سليم" وهو يطالع مقطع الفيديو الذي ورد إليه للتو في رسالة نصية قصيرة مجهولة المصدر، مرفقة بعنوان تفصيلي واسم الجاني! توقف عقله عن التفكير لثوانٍ معدودة؛ الشكوك تصارعت في رأسه: هل يندفع فوراً نحو العنوان المسجل ليثأر لشقيقه؟ ومن هذا الذي أرسل الفيديو؟ وما مصلحته في تقديم هذه الخدمة الذهبية في هذا التوقيت بالذات؟
على الجانب المقابل من الرواق، كانت "صافي" تقف مسندة ظهرها إلى الحائط، عاقدة ساعديها فوق صدرها بقلق، كانت ترقب بدقة تحول ملامح وجهه المتشنجة بعد فتح الهاتف، لكنها آثرت الصمت؛ فالوقت ليس مناسباً للاستفسار، ووالدتها ترقد داخل غرفة الطوارئ، وهمّها الأكبر هو الاطمئنان على حياتها..
خرج الطبيب أخيراً من غرفة الطوارئ ممسكاً بملف الحالة، ودنا منهم ليعلن تفاصيل وضع "كارين":
 "عندها هبوط حاد في الدورة الدموية و السكر مرتفع لما سألتها قالت لي بقالها يومين ماخدتش دواء السكر!."
تصبب وجه الحاج "صالح" خجلاً من التباطؤ في حقها، بينما ارتسمت الدهشة على ملامح الحاجة "فاطمة" التي بادت الطبيب باهتمام: "شوف اللازم و أعمله."
وما إن شرعت "صافي" في رفع صوتها لتبدأ جولة جديدة من الشجار والاتهامات، حتى اقترب منها "سليم" بسرعة وحزم، ووضع كفه الأيمن فوق شفتيها ليكتم صوتها، ثم سحبها خلفه بالقوة..
حاولت صافي التملص من قبضته الحديدية حول خصرها وهي تضرب الأرض بقدميها يمنة ويسرة لتعود إلى الصالة، لكنه جرفها جرفاً حتى خرج بها من الباب الخلفي للمشفى، وألقى بها داخل مقعد السيارة المجاور لمقعد القيادة..
أغلق سليم المقابض الإلكترونية للسيارة وانطلق بها بسرعة، ثم قال بنبرة نفد صبرها: "أنت أيه مش بتتعبي من الخناق؟! أسكت شوية قلبت دماغي"
تنهدت صافي بضيق عارم وصاحت به:
 "نزلني عايزة أرجع اطمن عليك مامي؟"
فتح سليم هاتفه على شاشة الرسائل، ثم وضعه بين كفيها وقال بصرامة:
 "إقرأ و قول فهمت أيه."
كان يهدف إلى إبعادها عن ساحة المشفى لمنع الاحتكاك مع عائلته، وفي الوقت نفسه الاستفادة من عقلها في تفكيك لغز الرسالة،
شهقت صافي بذهول وهي تشاهد المقطع، ثم نقرت بسبابتها على بقعة معتمة في الزاوية، وقالت بذكاء المحامي:
 "في خيال واحد بيصور الغبي انعكاس صورته ظهرت في مراية العربية و حظه أن مجرد خيال ملامحه مش واضحة!"
أخذ سليم الهاتف من يدها وأوقف السيارة على جانب الطريق:
 "قصدك أن في حد عايزني أروح مكان الجاني و يدبسني في مصيبة؟"
أجابت صافي بنبرة تحليلية:
 "بظبط كده لكن إحنا هنخرجه من البيت."
مدّ سليم يده اليمنى إليها في إشارة إلى التحالف المهني، كونهما ينتميان لمهنة المحاماة ذاتها:"هعتبرك شريكة في القضية'؟"
ابتسمت صافي بسخرية وقالت متصنعة الجدية: "أنا محامية زيك بظبط!"
قلّب سليم عينيه في ضجر وسألها:
"أنت اشتغلت بعد التخرج؟"
طقطقت صافي بشفتيها وقالت بكبرياء:
 "لأ لكن هدرب في مكتب محامي شاطر."
ضغط سليم قبضته بقوة على مقود السيارة وسألها بنبرة غامضة:"و مين المحامي؟"
كانت الإجابة جلية في عينيها الشاخصتين نحوه: "أنت المحامي!"
أدار سليم مفتاح التشغيل وتمتم بابتسامة تهكمية: "الله يكون في عون الموكلين في  فترة التدريب!"

في هذه الأثناء داخل المشفى...
خرج الطبيب المتابع لحالة "صخر" وأبلغ العائلة بنبرة حذرة: "هيفضل تحت الملاحظة 24 ساعة."
وما إن اطمأنت الحاجة "فاطمة" على صحة نجلها، حتى التفتت نحو الحاج "صالح" وقالت بتفكير مشوش:"هتعمل أيه مع 'كارين'؟"
كان البال متعباً للحاج صالح؛ إذ لم يبرح ذهنه تساؤل واحد: كيف وصلت إلى المشفى بهذه الحالة المزرية من الإعياء وهي حافية القدمين؟التفت الحاج صالح نحو حفيده "زين" وسأله باستفسار:
 "أبوكم راح فين لما أخد ندي؟"
زمّ زين شفته العليا بحيرة وقال:
 "كنا في فيلا عند طنط 'كارين'..."
اتسعت عيون الحاج صالح والحاجة فاطمة بصدمة، وهتف الحاج صالح:"راح عندها باختك ليه؟!"
لم يكن زين على علم بما دار بينهما خلف الأبواب المغلقة؛ إذ كان ومعه شقيقاه ينتظرون داخل السيارة.فأجاب ما فهمه من خجل والده:
 "كان عايزها تكشف علي ندي علشان يطمن علي شرفه و قالنا خليكم في العربية طلع علينا الصبح لقيناها بتصرخ و تنادي علينا أن أبوكم وقع لما سليم قاله أن يوسف في العناية المركزة وهي مش قادرة تشيله لوحدها و قفلت باب الفيلا علي ندي و جت معانا حافية"
أشار الحاج صالح إلى زين بالانصراف، ثم التفت ببرأسه نحو الحاجة فاطمة متسائلاً بوجه متجهم: "هنعمل أيه؟"
قلبت الحاجة فاطمة عينيها بأسى وهتفت:
 "كارين مقصرتش في حاجة كريم ظلمها بجوازه و بناته اللي ظهروا فجأة و صخر كمل عليها خالص قطع المياه و الكهربا و جمد حساباتها في البنك و أخد منها أبنها بالوصاية و رايح يطمن علي شرف بنته عندها و جابته المستشفي حافية ولادك  ظالمين و أنت ساعدتهم مكنتش بتقف لحد فيهم!"
اتكأ الحاج صالح على عصاه الخشبية بثقل وزفر بأسى: "أنا هعوضها هديها مبلغ تعيش منه..."
قاطعته الحاجة فاطمة بنبرة قاطعة رسمت بها خطتها القادمة:" لأ، بعد ما تخلص عدتها هيكتب عليها!"
حملق الحاج صالح بعينين متسعتين وسألها باستنكار:"أنت بتقول أيه مش كفاية مرتاته الثلاثة أنا ناقص كيد نسوان؟!"
ربتت الحاجة فاطمة على ظهر حفيدها الرضيع بحنان وأردفت بصلابة:"أنا مستخسرة كارين تخرج برة العيلة و بعدين هي ملهاش حد غيرنا!"
نهاية الليلة الثانية والعشرين