رواية حارة العاشقين الليلة السادسة عشرة

رواية حارة العاشقين: الليلة السادسة عشرة
من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا والأربعون حرامي ج١ 
التفتَ صخرٌ صوبَ سليمٍ ملقيًا إليه بأمرٍ حازمٍ لا يقبلُ الجدال:
«هتروح تشتري اللبن و البامبرز لكريم.»
ولم يكد سليمٌ يستوعب الأمرَ حتى باغتهُ صخرٌ بصدمةٍ لم يتوقعها، أردف قائلًا: «صافي هتروح معاك»
في تلك اللحظة، انتفض الاثنان معًا؛ علت نبراتُ التذمر والاعتراض دون سببٍ جليٍّ أو حجةٍ بالغة، كأنما حُرّك في أعماقهما شررٌ خفيّ. كسر سليمٌ طوقَ صمته، وقال بنبرةٍ حاسمة وعيناهُ تفحصان هيئتها: «و ماله خليها تروح معايا لكن تغير هدومها!»
وقفت "صافي" قبالته، تضمُّ شقيقها الرضيع إلى صدرها بحنو، وقالت بوعيدٍ ممتزج بالمرح: «وانت صفتك أيه علشان تقولي أخرج بأيه أيه رأيك أن هخرج بلبس ده!»
هنا، تملّكه الغيظُ واستشاط جنونًا، فخرجت كلماته مغلفةً بتهديدٍ مبطن: «هديك خمس دقايق تغيري هدومك و تكون جاهزة»
حبس الجميعُ أنفاسهم انتظارًا لرد فعلها، وتوقعوا منها ثورةً عارمة، لكنها فاجأتهم؛ إذ تمتمت بكلماتٍ غير مفهومة، ثم ناولت الرضيعَ لشقيقتها "جيهان"، ودلفت خطى سريعة إلى غُرفةِ سليم، موصدةً الباب خلفها لتبديل ثيابها.
لم يتمالك صخرٌ نفسه، فأطلق ضحكةً مدويةً رجّت أركان المكان، وهوى بكفهِ بضربةٍ قويةٍ تمازح مؤخرة رأس ابنه سليم، جعت الأخير يُصعق من شدة المفاجأة وقوة الصفعة، بينما بادره صخرٌ بزهو: «يا واد يا دكر»
ما هي إلا دقائق حتى انفتح الباب، وخرجت "صافي" وقد ارتدت بنطالًا من الدنيم الأزرق الضيق، يلوح فوقه كِِلوةٌ حمراء، وقد جمعت خصلات شعرها المتموجة برابطةٍ على هيئة كعكةٍ مستديرة، بينما ألقت سترةً جلديةً قصيرة على ذراعها اليسرى، معلنةً أُهبتها: «أنا جهزت»
لوّح سليمٌ بكفه الأيمن يمنةً ويسرة، متهكمًا ومستنكرًا قِصر ثيابها: «مفيش حاجة أقصر من البلوفر ده»
تأففت بضيقٍ شديد، وزفرت حنقًا وهي تُجيبه: «هلبس الجاكيت.»
كانت عينا صخر ترقبان المشهد بدهشةٍ بالغة؛ كيف تحولت هذه القطة المتوحشة إلى كائنٍ مطيعٍ واجم في حضرة ابنه؟! تداخل سليمٌ مجددًا وقال بلهجةٍ لا تقبل التراجع: «البسي جاكيت طويل.»
ضربت صافي الأرض بقدمها اليمنى في حردٍ طفولي يشوبه العناد، وغادرت ردهة المعيشة عائدةً إلى غرفتها. وفي تلك الأثاء، كان ثمة سؤالٌ يلحُّ على عقل صخر ويشغل باله: ما السرُّ الذي يجعلها تذعن لأوامر ابنه وتنفذها صاغرة؟
خرجت ثانيةً وهي تحرّك معطفًا أسود طويلًا أمام عينيه بحركاتٍ استعراضية، وتسأل بنبرةٍ متحدية: «طويل ده؟»
أومأ سليمٌ برأسه علامةَ الرضا، ثم نزع عن رأسه قبعته الصوفية الشتوية ووضعها دثارًا فوق رأسها، فافترّ ثغرها عن ابتسامةٍ عذبة وهي تُصلح هندامها..
كانت نظرات الحاضرين جميعًا ترسمُ في مخيلتهم لوحةً لأمرٍ خفيّ يدور بين الاثنين؛ ثمة رابطٌ غامض، وجذوة عاطفةٍ تشتعل في الخفاء، يرفضان الاعتراف بها حتى أمام نفسيهما..
تقدم سليمٌ نحو الباب، وفتحه مستأذنًا في الانصراف، ولم ينسَ أن يلقي بطرفته المعتادة ليخفف من حدة الأجواء:
«ادعولنا منخلصش علي بعض!»
هبط الاثنان درجات سُلّم "بيت الجبالي"، والسطوةُ الصامتة لليل الحارة تلفّ خطواتهما. دلفا إلى السيارة، فاستقرا في مقعديهما، وانطلقت بهما المركبةُ تشقّ زقاق الحارة الضيق، حتى انعتقتْ خارج حدودها، لتلتحم بالطريق العمومي الممتد، وتحديدًا صَوْبَ طريق البحر، حيث كان الموجُ يتلاطم في الظلمة مُصدرًا هيرًا غامضًا.
التفتت إليه "صافي"، وقد غلبتها الحيرة، فخرقت الصمتَ بسؤالها:
«انت طلعت بينا طريق البحر ليه؟»
لم يلتفت إليها، بل ظلّت عيناه شاخصتين صوب الطريق، وأجابها بنبرةٍ آمرة جافة:
«اسكت شوية و اربطي الحزام.»
استمر سليمٌ في توجيه المقود براحة كفيه، بينما أذعنتْ هي للأمر، وأحكمت ربط الحزام حول جسدها، لكن رغبة العناد والمغامرة سرعان ما استبدت بها، فالتفتت إليه قائلة بنبرة تحدٍّ:«زود سرعة!»
ارتسمت على شفتي سليم ابتسامةٌ باهتة، تعجبًا من جرأتها التي لم يعهدها، وقال مستثيرًا كبرياءها:
«كنت فاكرك بتخافي من السرعة!»
لم تجبه، بل رفعت بصرها نحو سقف السيارة وقالت:«السقف بيتفتح؟»
أومأ برأسه إيجابًا دون أن يحيد ببصره عن الطريق: «بيتفتح.»
فقالت بلهفة: «افتحه.»
ضغط سليمٌ على زر التحكم، فارتدّ السقفُ الرخاميّ ببطء مُفسحًا المجال لنسائم البحر الباردة لتجتاح المقصورة. في تلك اللحظة، انتفضت "صافي" من مقعدها، ورفعت جسدها النحيل مستندةً بقدميها وساعديها على حافة المقعد، لتستقبل برأسها وجسدها المدى المفتوح.
نظر إليها سليم بطرف عينه، فتبسم في سرّه أمام هذه الطفولية العفوية التي تُخفيها وراء قناع الشراسة، وهتف بها مازحًا ومحذرًا:

«الشتا هيبردك»
هبطت إلى مقعدها ثانية، ولأول مرة منذ خروجهما، تخلت عن كبريائها وأفصحت له عن رغبةٍ إنسانيةٍ بحتة، فقالت بنبرةٍ رقيقة:
«انا جعانة و عايزة أكل سمك.»
اتسعت عينا سليم دهشةً، وحملق فيها لقد تصفّفَ الليلُ وأدركنا الهزيعُ الأخير، وأيُّ مطعمٍ للأسماكِ سيكون على مسافةٍ بعيدةٍ جدًا من هنا! قال بدهشة:«الوقت أتأخر»
جاء ردُّ "صافي" سريعًا، حاسمًا، وذكيًا وهي تستقر في جلستها:
«ومن قال أن عايزة أكل في مطعم؟»
ولم تنتظر تعقيبًا منه، بل امتدت أناملها الرقيقة إلى زر تشغيل الموسيقى، فأدارته لتصدح الألحان بقوة، ملأت أرجاء السيارة صخبًا وحياة..
قهقه سليمٌ ملء شدقيه، وشعر بنشوةٍ غامضة تجتاحه، فضغط على دواسة الوقود لينطلق بالسيارة كالسهم في جوف الليل، وهو يلقي بآخر أوامره الصارمة والمغلفة بحرصٍ حانٍ:
«اربطي الحزام.»
نهاية الليلة السادسة عشرة
#رواية_حارة_العاشقين 
#روايات_انستقرام 
#روايات_واتباد 
#روايات_تيك_توك 
#روايات_يوتيوب