رواية حارة العاشقين الليلة الحادية والعشرين

حارة العاشقين: الليلة الحادية والعشرون
من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا و الأربعين حـرامي ج١ 
​توقفت سيارةُ "صخر" هادرةً أمام البوابةِ الرئيسيةِ للمستشفى. قفز "عمر" من مقعدِ القيادةِ ملهوفاً، وتبعه شقيقاه "ليل" و"زين"؛ هبطوا جميعاً ليحملوا جسدَ أبيهم الفاقدِ للوعي من المقعدِ الخلفي، والذي استكان رأسُه الشاحبُ على فخذِ "كارين". كانت كفُّها ترتجفُ برعبٍ خافق، تعتصرُها لوعةُ الموقفِ والهولُ الذي ألمّ به.
​ترجلت "كارين" خلفَهم تعثرُ في خطواتها، حافيةَ القدمين، لم تدُر بخلدِها هيئتُها ولا أين ألقى بها الذهول.
​في البهوِ الخارجي للإستقبال، كان آلُ الجبالي عائلةُ زوجها المتوفى يتجمعون كأشجارٍ يابسةٍ تعصفُ بها الرياح؛ إذ وصلهم للتوّ نبأُ حادثِ "يوسف" الفاجع، فجاء دخولُ "صخر" ممدداً على النقالةِ الطبيةِ كصدمةٍ أخرى تزلزلُ ما بقيَ من ثباتهم.
​تعالت صرخاتُ النساء للرجلِ الممددِ بين الحياةِ والموت، بينما استند والده الحج "صالح" على عصاه بقلبٍ يرجفُ هلعاً على نجله؛ لقد أدرك الشيخُ الآن سببَ سقوطِ حصانه المتين.. لقد انقطع شريانُ وعيه فورَ تلقيه نبأَ فاجعةِ ابنه "يوسف". اندفع الجميعُ خلفَ النقالة، تتطلعُ أعينُهم الحائرةُ نحو أبوابِ غرفةِ الطوارئِ في انتظارِ التقريرِ الطبي.
​كانت عينا "كارين" تترصدان تلك المرأةَ المزاهية (مياسين).. المرأةَ التي صورها لها "كمال" عبر الهاتف. الآن تجلت الحقيقةُ أمامها كالشمس؛ لقد جاءت لتغتصبَ مكانتها وتتسنمَ العرشَ هي وبناتُها، حتى بعد أن وارى الترابُ جثمانَ زوجها!
​انتبهت "صافي" وشقيقتها "جيهان" إلى حالةِ أمهما المزرية، فهتفت إحداهما بذهول:
 «مامي!.. أنتِ حافيةُ؟!»
​مسحت "كارين" عبراتِها الساخنة، وامتدت يداها لتنتزعا طفلها الرضيعَ من بين ذراعي "جيهان"، واعتصرته إلى صدرها كمن تلتقطُ أنفاسَها الأخيرة.
سألتها "جيهان" بلوعة: «جيت إزاي؟»
​لم تنبس "كارين" ببنتِ شفة؛ كانت قد انخلعت عن العالمِ بأسره، وانزوت في شرنقةٍ خاصةٍ تجمعُها بطفلها الذي نهب الشوقُ أحشاءَها من أجله. انهمرت دموعُها على وجنتيه الشاحبتين وهي تهمسُ له في انكسار:
«أُرضعُك إزاي .. أنا مأكلتش من يومين؟!»
​كان حليبُ الأمومةِ المقتبسُ في صدرها يفرزُ ألماً عاتياً لعدم تفريغه، وسرعان ما سرت برودةٌ مبهمةٌ في أطرافها؛ هبوطٌ حادٌ في الدورةِ الدمويةِ جعل الرؤيةَ تتضببُ أمام عينيها مالت رأسُها نحو الجدارِ البارد، وارتخت عضلاتُ ذراعيها المحيطتين بالرضيع، فنادت بصرخةٍ واهنة: «صافي..»
​لم تتنبه "صافي" لنداءِ أمها المتهدج، فقد كانت مستغلقةً في حديثٍ حادٍ مع شقيقتها "جيهان"، تستفسرُ منها عن هويةِ أولئك النسوةِ القابعاتِ في المواجهة، حتى انفجرت "صافي" بصوتٍ كالرعد:«يعني بنات كريم الجبالي؟!»
​اتسعت أحداقُ الجميعِ في الاستقبال، واشرأبت الأعناقُ بغضب؛ إن ذكرَ اسمِ المرحوم بهذه النبرةِ المهينة، وفي هذا التوقيتِ العصيب، كان مثاراً للاشمئزاز. حاولت "جيهان" نكزها في عضدها لتردعها: «مش وقته!»
​لكن لسانَ "صافي" السليط، العاصي على القيد، لم يعرف يوماً خطاً للرجعة، فتهكمت بصوتٍ أحرقَ صمتَ المشفى:
«ايه الجملة وجعتكم ما هو مبقاش أبويا!»
​هنا صدح صوتُ الحاج "صالح" زاجراً، واهتزت عصاه في الأرض: «احترمي نفسك أنا ساكت علشان إحنا في المستشفي!»
​ردت عليه "صافي" بمرارةٍ تهكميةٍ تقطرُ سماً:
«ايه الحقيقة وجعتك كنت بتنام إزاي واحنا مش لاقين ناكل و عايشين في الضلمة لما ابنك قطع علينا المياه و الكهربا و جمد حساباتنا في البنك و أخد مننا كريم أنت عندك علم أنها بقالها يومين ماخدتش ادويتها لأنها خلصت كلها و لما كانت عايزة ترضع كريم مفيش لبن في صدرها طيب عندك علم أنها راحت تبيع مجوهراتها علشان ناكل صاحب المحل كان هيبلغ عنها علشان معهاش فواتير؟!»
​وضعت "جيهان" كفها بسرعة على شفتي شقيقتها لتلجمَ ثورتها: «كفاية!»
​نزعت "صافي" يدها بقسوة وهتفت بتهكمٍ أخير:«ما هو كفاية لحد كده إحنا متنازلين عن الميراث و الوصاية على كريم!»
​خطت خطوتين لتلتقطَ الصغيرَ من حجرِ أمها، لكنها جمدت مكانها بصدمةٍ عاتية؛ كانت "كارين" قد غابت عن الوعي تماماً، وشحب وجهُها كالموتى،صرخت "صافي" برعبٍ أهز أركانَ الممر: «مامي!!»
​تجمع الحاضرون على صرختها المفجوعة، فيما اختطفت "جيهان" شقيقها الرضيعَ من بين يدي أمها الهاويتين، وظلت تربتُ على ظهره لتهدئةِ صراخه الذي شق سكونَ المكان..
-في جانبٍ آخر .. كان "سيف" و"كمال" يجلسان قبالةَ رقعةِ الشطرنج، فسأل "سيف" بنبرةٍ هادئة:«انت ليه مصمم  على كارين؟»
عدّل "كمال" ربطةَ عنقه بخرع؛ إذ كان يستشعرُ ضئالته أمام نسبها المرموق، وقال:
 «لو اتجوزت كارين هتعرفني علي عائلات و هدخلني في علاقات مع ناس كنت بحلم اعدي جنبهم!»
تهكم "سيف" وسخر من صنيعِ صديقه:
 «يعني واجهةٌ اجتماعية.!»
ارتشف "كمال" جعةَ قهوته وقال:
 «مش هنكر أنها ست جميلة و ذكية؟!»
حرك "سيف" قطعةَ الفيل بثبات، وقال بعمق:
«نفس عقدة النقص اللي كانت عند كريم!»
اتسعت عينا "كمال" بغضب، وشعر بأنه يتجاوزُ حدوده:«انت قصدك أيه؟!»
حرك "سيف" قطعةَ الوزيرِ ببراعة ليحاصر المالك، وقال ببرود:«كشُ ملك!»
أعاد "كمال" السؤالَ بحدة: «أنا سألتك تقصد أيه؟!»
لملم "سيف" القطعَ وبدأ يرصُّها على الرقعةِ بتأنٍ: «مش عايزاك تبقي شبه كريم كان حاسس أن مستواها الاجتماعي أعلي منه.»
برقت عينا "كمال" بطمع: «وعايزني أعمل أيه؟»
ارتشف "سيف" من فنجانه وقال بذكاءٍ ثعلبي:
 «هي وحيدة و بناتها رجعوا بيت الجبالي فرصتك جت لحد عندك محدش هيقدر يأثر عليها ست وحيدة و محتاجة وظيفة و أكل و رجل يدخل في حياتها"!»
على جانبٍ آخر من المدينة..
​ترجل "أمير" من السيارةِ وهو يزفرُ غيظاً كجلادٍ كُبّل بالحديد؛ سيُحتجزُ الآن في المزرعةِ الموحشةِ كي لا ينكشفَ أمره، بينما يذهبُ ابنُ عمّه لإبرامِ صفقةٍ مع "صخر" ولرتقِ ما فُتق.
​ألقى حقيبته الجلدية على الأرضِ بإهمال، وقال بنبرةٍ تهكمية:«هفضل هنا لوحدي؟!»
​رمقه "باشا" بنظرةٍ حادةٍ كالإبرة، وهو ينزعُ معطفه ويلقيه على مسندِ الأريكة، ثم ألقى بجسده في استرخاءٍ مسموم وهتف:
 «عايز ترجع شقتك البوابة لسة مفتوحة!»
​في تلك اللحظة، ارتعش هاتفه برنينٍ متقطع، أخرج "باشا" الهاتفَ من الجيبِ الداخلي لمعطفه، فجاءه صوتُ السكرتيرةِ يذكره بمواعيدِ العيادة:
«دكتور بشر .. حضرتك عندك مواعيد قبل العيادة؟»
​استقام في جلسته، وطيّ معطفه على ساعده الأيسر مستعداً للمغادرة، وقال بجمود:
 «لأ أنا ربعُ ساعةٍ وهكونُ في العيادة.»
​أغلق المكالمة، ثم التفت ونظر إلى "أمير" بتهديدٍ صريح:«لو خرجت من المزرعة أنا مش هدخل ثاني؟»
​غادر "باشا"، فقلب "أمير" عينيه بمللٍ زاد من حنقه؛ وعلى أي حال، فالهاتفُ في يده، وسيستدعي إحدى غانياته لتقتطعَ معه سويعاتِ هذا الضجر! ..

​كانت "جيهان" و"صافي" ترمقان شقيقاتهما الثلاث "سارة"، "زهرة"، و"لميس" بنظراتٍ يملؤها السخط، بينما بادلتهن الأخريات التحديَ بنفسِ القدرِ من البغض ،​وفجأة، ألقت "صافي" قنبلةً أطاحت بما بقيَ من العقل:
 «أنتِ بقي اتجوزت يوسف علشان ميراثك ميخرجش برة؟!»
​شخصت الأبصارُ بذهول، وعلى رأسهن "ورد" التي نزل الخبرُ على مسامعها كالصاعقة، فهتفت بذهولٍ مشتعل:«انت قصدك أيه مين دي اللي اتجوزها يوسف؟!»
​مسح "سليم" وجهه بكفيه في نفاذِ صبر؛ فهذه الصغيرةُ لا تتوقفُ عن نثرِ الحطبِ في النار!
في حين تقدمت "مياسين" بسرعة لتستقرَّ قبالةَ "ورد"، محاوطةً ابنتها "لميس" بجسدها لحمايتها من البطش، بعدما هجمت "ورد" كالكتيبةِ الثائرة تنثرُ وابل الشتائم..
​وفي تلك اللحظةِ .. كانت هناك ثلاثةُ أجسادٍ داخلَ غرفةِ الطوارئ تُصارعُ القدر..ثلاثة أروحٍ ترقدُ على حافةِ البرزخ..
​صوتُ نغمةٍ رسالة خاصةٍ شق هدوءَ "سليم"؛ أخرج الهاتفَ من جيبِ معطفه، وزم شفته العليا بريبة وهو يرى رقماً مجهولاً. فتح الرسالة، فإذا هي مقطعُ فيديو مرفقٌ باسمِ الجاني وعنوانه!
​اتسعت عيناه بشرارٍ محتدم؛ لقد رأى الفاعلَ ورقمَ لوحةِ السيارةِ بوضوحٍ جليّ! وفي ذيلِ المقطع، كُتبت عبارةٌ موجزةٌ تقطرُ خبثاً ..
نهاية الليلة الحادية والعشرين