حارة العاشقين: الليلة الثالثة والعشرون من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا و الأربعين حـرامي ج١
دارةُ الحديث دارت بين "نور" وشقيقتها "ياسمين" بنبرةٍ لا تخلو من الاستنكار:
"مش خايفة من تعيينك في دار الايتام؟"
رفعت "ياسمين" حاجبها الأيمنَ في تؤدة وهي تُحكم ربطَ حزام معطفها الرفيع، ثم أجابت بثقةٍ باردة:
"و هخاف من أيه أنا هتعيين لحد فترة التدريب اكون خلصت الرسالة ."
عدّلت "نور" من وقفتها لتستعيد توازنها بعدما انتعلت حذاءها ذي الكعب العالي، وأردفت بمحاولةٍ لتهويل الأمر:
"أنت رايحة تشتغلي في دار أيتام كلهم شباب و مراهقين و دخلوا الدار و هما أطفال شوارع!"
قلّبت "ياسمين" عينيها في مللٍ وهي تميلُ برأسها:
"أنا رايحة اشتغل علشان الرسالة و بعدها هطلع علي الساحل!"
أطلقت "نور" ضحكةً عالية تموج بالسخرية وسألتها: "و الرسالة بتتكلم عن أيه؟"
جلست ياسمين" على كرسيّ المائدة، وتناولت كوبها لِتُكمل إفطارها وهي توضح بدقةٍ أكاديمية:
"الرسالة بتتكلم عن الصدماتِ النفسية الناجمة عن الفقدِ والتعلق لمجهولي النسب، وتأثيرَ بيئة المؤسسات الإيوائية على الهوية الاجتماعية للشباب بعد خروجهم من الدار."
ارتشفت "نور" جرعةً من القهوة وقاطعتها:
"يبقي هتابعي الحالات بنفسك؟"
قضمت "ياسمين" قطعةً من السندويتش، ثم اعترفت بشيءٍ من التردد: "أنت خوفتيني."
استرسلت "نور" في ضحكتها وهي تستطرد بجدية:
"أنا خايفة عليك هناك في مراهقين و شباب من سنك عايزين راجل يتعامل معاهم."
زاغت عينا "ياسمين" بقلقٍ جلي، وقالت:
"هقفل باب الاوضة لحد ما أرجع البيت."
سألتها "نور" وهي تطوي منديلها:
"خلصت فطارك؟"
أومأت "ياسمين" بالإيجاب، فقالت "نور":
"خلصت خلينا نمشي ليقولوا أول يوم شغل اتأخرت."
نادت "نور" على مديرةِ المنزل لتستلم المائدة وتُحيطها علماً بمغادرتهما:
"دادة صفية.. إحنا خارجين."
أقبلت "صفية" وهزت رأسها بداعي البركة، وتمتمت بدعواتها المعتادة:
"توصلوا بالسلامة عقبال ما اشوف كل واحدة فيكم في بيتها"
عادت إليها "ياسمين" بخطواتٍ مضطربة ورجتها:
"أدعي لي أنا هتعين في دار أيتام و خايفة أوي."
شهقت "صفية" بأسى أليف وهي تُربت على يدها: "يا نوغة خايفة من تعيينك في دار أيتام الدار بيتخرج منه مهندسين و دكاترة و ناس فاتحة بيوت مش انقطاع قاعدين على القهوة مستكبرين يشتغلوا عايزين يبقوا بشوات من غير تعب!"
كانت نبرةُ مديرةِ المنزل تقطرُ شجناً مريراً، وكأنها تُقلّب في رمادِ جرحٍ قديم؛ فاستشعرت "ياسمين" ذلك وعادت لِتجلس قبالتها مأخوذة: "أنت زعلتي مني؟"
ثم أغدقَت عليها بوابلٍ من القُبلات الحانية وهي تسألها بذهول:"بتعيطي ليه يا دادة؟"
احمرّ وجهُ "صفية" واضطربت ملامحها، ثم نهضت في استعجال لِتجمع الأطباقَ عن المائدة، ودلفت إلى المطبخ غارقةً في دموعها الذارفة.
ارتسمت الحيرةُ على وجهَي "ياسمين" و"نور"، فتمتمت الأخيرة بتهكمٍ حذر وهي تزمّ شفتها العليا: "ممكن افتكرت حاجة خلينا نمشي."
فتحتا البابَ وغادرتا الشقة..
في ظلام المطبخ، كانت "صفية" تبكي على حظها العاثر، وقد استبدت بها الذكرى لتعود بها خمسة عشر عاماً إلى الوراء، إلى ذلك اللقاء الأخير بينهما..
كانت تفرك كفيها ببعضهما في خجلٍ وارتباك وهي تهمس له: "صخر.. أنا حامل."
ابتسم "صخر الصغير" بطفوليةٍ بريئة واحتضنها بفرح: "هيبقي عندي أخ ؟"
ثم رفع رأسه بنظرةِ استعطافٍ وسألها:
"هتفضلي تحبيني شبهه؟"
تغرغرت عينا صفية بالدموع وهي تتخذ القسوةَ درعاً لتقول له القرار الفاجع:
"إحنا هنرجعك الدار ثاني.."
عودة إلى الحاضر..
تذكرت توسلاته المترجية ودموعه التي توسلتها ألا تطرده من حضنها، كما تذكرت فجيعتها في نجلها الحقيقي الذي وافته المنية بعد أن أتمّ عامه العاشر.. كأنما كان القضاءُ يقتصُّ منها في فلذة كبدها.
وضعت كفها الأيمن على بطنها التي لم تحمل طفلاً آخر بعد فراق ابنها، ومسحت دموعها وهي تسترجع رحلة بحثها المضنية عنه في الآوِية؛ فقد تعقبت أثره لتكتشف أنه نُقل إلى دارٍ أخرى عقب إصابته بانهيارٍ عصبيٍ حاد، ومحاولاته المتكررة للانتهاء من حياته..
مأوى الأيتام..
كان المكانُ كأنه عالمٌ معزولٌ خلف أسوار من القسوة..
صفقةٌ مشبوهة لتحديد نتيجة مباراة ملاكمة مقابل تنازل "صخر الصغير" عن الفوز!
ارتدى بنطاله الجينز وسترته الجلدية السوداء، ثم امتطى دراجته النارية متأهباً للمغادرة؛ إذ لم يرق له الاتفاقُ الخسيس. ركض خلفه مديرُ الدار قائلاً بإغراء:
"أستني المراهنات هتبقي 200.000 و أنا 20 و أنت 20 شبهم!"
أخرج "صخر الصغير" علبةَ سجائره من جيب السترة، وسأله بنبرةٍ تهكمية:
"و لو فوزت؟"
قلّب مديرُ المأوى عينيه بقلة صبرٍ وقال:
"تفوز أيه هو الماتش متحدد أنك تخسر و متراهنين عليه و بعدين أنت عارف الواد ده ممكن يدخل فيك يدهسك ده قد الباب"
ثم أخرج شريطاً لمخدرٍ موضعِيّ من جيب سترته الملونة ومدّ يده إليه:
"خد حباية و مش هتحس بحاجة."
تناول "صخر الصغير" الشريط دون اهتمام وضعَه في جيبه، وعندها باحه مديرُ المأوى بالمفاجأة: "في واحدة جاية تتبرع للدار عايزاك تفتح دماغك معايا دي طالباك بالأسم!"
نفث "صخر الصغير" دخانَ سيجارته من بين شفتيه بخواء؛ فهذا الرجل لا يتوانى عن المتاجرة به واستغلاله في كل شاردة وواردة. ثم سأله عن بغيته الحقيقية: موعد خروجه النهائي: "أنت وعدتني هخرج من الدار."
تهكّم مديرُ المأوى وافترّ ثغره عن ابتسامةٍ ساخرة:
"تخرج من الدار تعمل أيه طب أنا هذممك أنت كل اللي اتعاملت معاهم بيتكلموا غير بلغة الفلوس؟"
ثم ربت على كتفِ صخر بكفيه واستطرد بشفافيةٍ وقحة:
"أنا فيا كل عبر الدنيا لكن واجب عليا أنصحك إحنا لا تعليم و لا نسب أهلك الحقيقين رموك في الدار و اللي اتبنوك رجعوك الدار شفت بقي أن محدش بيخاف عليك غيري"
أمال "صخر الصغير" رأسه في صمتٍ مريب، فتابع المدير بنصيحةٍ مسمومة:
"جدك اللي عايز تخرج تدور عليه مش عايزاك هو اللي خلي أبوك يرمك في الدار و عمك اللي سموك علي أسمه لو روحت له و قلت له أبن أخوك هيرميك في السجن."
دهس "صخر الصغير" سيجارته تحت قدمه، ثم ثبّت خوذته فوق رأسه بحسم.
توقفت سيارةُ "ياسمين" الأنيقة أمام واجهةِ مأوى الأيتام المتهالكة..
أطلّت برأسها من نافذة السيارة وسألت الحارس: "المديرُ موجود؟"
أجابها الحارسُ وهو يشرعُ البابَ الحديدي الضخم على مصراعيه، ليس لدخول سيارتها، بل لخروج "صخر الصغير" بدراجته النارية الهادرة: "موجودٌ مَين حضرتك؟"
تقاطعت الطرقُ في اللحظةِ ذاتها وفي البقعةِ عينها، فاستمع "صخر" إلى ردها الرقيق: "أنا دكتورة ياسمين، و ده ورق تعييني."
أجابها الحارسُ وهو يتصفح الورقة:
"أنتِ الأخصائيةُ الاجتماعيةُ الجديدة! أهلاً وسهلاً، تفضلي يا دكتورة."
افترّ ثغرُ "صخر الصغير" عن تهكّمٍ صريح؛ فخلع خوذته ونزل ببدنه الفارع وقامته الطويلة من فوق الدراجة النارية، ليقفَ كالسدِّ قبالة الباب الحديدي.
انتزع الورقةَ من يدِ الحارس جراءةً، ثم نادى بصوتٍ جهوريّ تهكمي على مدير المأوى:
"تعالَ يا شلبي! وصلت الأخصائيةُ الإجتماعية اللي هتعمل علينا التجارب شبه الفيران!"
وكانت الحقيقةُ المرة أنه لم يتلقَّ قط قسطاً من التعليم، حتى إن عيناه الحادتين كانتا ترقبان الورقةَ وهي مقلوبةٌ رأسًا على عقب بين يديه!
في المستشفى..
عادت "كارين" إلى وعيها، وطلبت من ابنتها "جيهان" إعادتها إلى المنزل: "عايزة اخرجَ."
طأطأت الحاجة "فاطمة" شفتيها بلومٍ أمومي:"تخرجي إزاي أنت قادرة تقفي علي رجلك؟"
قرّبت الطاولةَ المعدنية المتحركة الملتصقة بالسرير، ووضعت عليها الأطباقَ البلاستيكية وكوبَ العصير. لكن "كارين" أدارت وجهها جهةَ الجدار، رافضةً أن تتناول طعاماً لم تدفع ثمنه:"معيش فلوس أدفع ثمن الأكل."
كانت "جيهان" تتابع الحوارَ في هدوء وهي تُربت على ظهر شقيقها الرضيع.
ابتسمت الحاجةُ "فاطمة" وقالت بإنعام:
"لما يبقي معاك فلوس أبقي ادفعيهم."
ثم مسحت دموعَ كارين وأردفت بحدب:
"لازم تاكلي علشان ترضعي كريم."
ووضعت كفها الأيسر على رأس كارين مستطردة: "رأسك بدأت تسخن و صدرك هيوجعك لو اللبن منزلش."
فتحت "كارين" ذراعيها لِتتناول طفلها من ابنتها "جيهان": "هاتيه يا جيهان أُرضعه."
لكن الحاجة فاطمة اعترضت بحنو:
"كلي أنت الأول أنا عملت له الببرونة و غيرت له و نام ."
أخذت فاطمة تُطعم كارين بيدها، فابتسمت الأخيرة وهي تلملمُ خصلاتِ شعرها الأشقر على هيئة كعكةٍ مرتفعة. أطالت فاطمة النظرَ في ملاحةِ زوجة نجلها المتوفى، متسائلةً في سرها: أكان ابنها أعمى البصيرة؟ أم أن الفوارقَ الاجتماعية هي التي أعمت قلبه فكرهها واتخذ زوجةً أقلَّ منها جمالاً وشأناً؟
جلست "جيهان" على الأريكة الجلدية وهي تحتضنُ شقيقها الرضيع، فقالت لها الحاجةُ فاطمة: "نامي يا جيهان."
استسلمت "جيهان" لتعبها المنهك، واستلقت على الأريكة محتضنةً أخاها الصغير في نومٍ عميق..
نهاية الليلة الثالثة والعشرين