رواية حارة العاشقين : الليلة الثامنة عشرة من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا و الأربعين حـرامي ج١
الوقت يدنو من وطأة منتصف الليل الصمت لم يكن هدوءًا، بل كان أشبه بالهدنة التي تسبق الانفجار. في الشقة العتيقة، كان الفضاء يغلي.
رأس "صخر" كان يكاد ينفجر، نبضات صدغيه تُسمع في أذنيه كدقات طبول حرب الأسئلة تنهش نخاع جمجمته: ما الذي تحتويه تلك الرسائل اللعينة؟ أي نوع من الصور تبادلته ابنته مع ذلك الماكر الذي تجرأ على تدنيس كبريائه؟قبض بكفه الأيمن، التي تشنجت عروقها البارزة، على هاتف ابنته. لم يكن يمسكه فحسب، بل كان يعتصره بكل ما أوتي من غيظ مكتوم. وفي لحظة ذروة الغضب، هوى بيده بقوة، فألقى بالهاتف نحو الأرضية الرخامية دوى صوت تهشم الشاشة الزجاجية، وتناثرت الشظايا الصغيرة كأشلاء كرامته المبعثرة. كان المشهد كفيلًا بأن يذهب بعقله؛ الشك ليس مجرد فكرة، الشك كان نصلًا مسمومًا يلتف حول عنقه. هل تجاوزت الأمور حدود المراسلات؟ هل دنس ذلك الخبيث طهارة بيته؟لم يكن يعلم والجهل أحياناً يكون أشد أنواع العذاب أن الأمر برمته لم يكن سوى علاقة عابرة، نزوة مراهقة لم تتخطَ براءة الصور المتبادلة والكلمات الطائشة عبر الأثير. لكن ذلك الماكر عرف من أين تؤكل الكتف، فنفث سموم الشك في رأس الأب، ليتلاعب بأعصابه ويقوده إلى حافة الجنون.
تحركت خطوات صخر الثقيلة، كخطوات قدر محتوم، حتى توقف قبالة غرفة نوم ابنته. وقبل أن تلمس يده مقبض الباب، امتدت يد شيخوخة طاعنة في الحكمة والوجع. كان والده، الحاج "صالح"، يقف حائلًا بينه وبين بوابة الجحيم. هدر صوت الشيخ باكياً مستعطفاً:"عايز منها إيه تاني؟ كفاية... كنت هتموتها في إيدك!"
في تلك اللحظة، كانت الأسئلة تدور في رأس صخر كالإعصار؛ هل يخرجها من البيت الآن؟ هل يذهب بها إلى مكان قصي ليطفئ نار غليله ويطمئن على شرفه؟ التفت إلى والده، وملامحه تعتصر ألمًا، وصاح بصوت مخنوق متحشرج:
"أبوس إيديك، سيبني دماغي هتنفجر من التفكير!"
تخطى وجود والده بجسده الضخم، ودلف إلى داخل الغرفة. مع خطوته الأولى، تسلل قلق ثقيل وبارد إلى قلوب من بالداخل. كانت "ورد" تقف في زاوية الغرفة وعيناها تلمعان بالرعب، وإلى جوارها الجدة، الحاجة "فاطمة"، تلهج بالدعاء الشاحب. أما شقيقته "صدف"، فكانت تجلس على حافة الفراش، تلمّ إلى صدرها جسد "ندى" الغائبة عن الوعي، كأنها تحاول إخفاءها عن ناظري الأب الهائج.
كررت صدف بنبرة باكية مستجدية:
"عايز منها أيه مش كفاية كنت هتموتها!"
التفت إليها، وعيناه تشعان ببريق مرعب، وأشار بأصبعه نحو فمه، مطلقاً فحيحاً حاداً مزق صمت الحجرة:"هشششش... اخرسي خالص!"
ساد صمت القبور. انحنى صخر على ركبتيه ببطء أمام موضع جلوس ابنته الممدة على السرير كعصفور بلله المطر. كانت ندى غائبة عن الوعي تمامًا، وجهها شاحب كشمعة ذائبة. امتدت كفاه الخشنتان، وبحنوّ مشوب بالقسوة والتعب، أمسك بوجهها، ورفعه قليلاً. نظر إلى ملامحها الطفولية، وتحدث بنبرة يملؤها الخذلان والمرارة:"ندي العيلة الصغيرة كبرت أمتي؟"
سحب تنهيدة شقت صدره، ثم عدل جلسته، وبحركة مفاجئة وحاسمة، انحنى وحملها بين ذراعيه، اندمج جسدها النحيل الغائب عن الوعي بين يديه. في تلك اللحظة بالذات، انقبضت قلوب النسوة، ودب الخوف العارم في أوصالهن،صرخت صدف بذعر:"رايح فين؟!"
لم ينظر خلفه. كانت يدا ندى الصغيرتان تتدليان يميناً وشمالاً بهوان، متأرجحتين مع خطواته، إثر النزيف الذي أضعف جسدها وجعلها كجثة هامدة مستسلمة للقدر. خرج من الغرفة بخطوات واسعة وسريعة، وتبعه الجميع بقلوب واجفة، والأسئلة تلاحقه دون مجيب: "هتعمل فيها أيه؟".
عند بهو الشقة، وقف الحاج صالح، وقد بلغت به القلوب الحناجر. رفع سبابته بقسم غليظ، قاطعاً عهداً على نفسه:"لو عملت لها حاجة، أنا مش هدخل البيت تاني.. هفضل قاعد في المدفن جنب أخوك لحد ما ربنا ياخد أمانته!"
لم يلتفت صخر ولم يحر جواباً كان قطار غضبه وقلقه قد انطلق ولا رادّ له. التفت بنظرة حادة إلى نجله الأكبر وصاح:"افتح الباب!"
ثم وجه أمره الصارم لنجله الآخر:"انزل افتح باب العربية!"
كان الشابان يطيعان أوامره بخشوع تام، مدفوعين برعب حقيقي من عواقب أي تأخير. تتابع نزولهم على درجات السلم الحجري بخطوات متلاحقة سريعة، حتى وصلوا إلى بوابة بناية "الجيالي" التفت صخر برأسه يمنة ويسرة؛ كانت الحارة غارقة في غياب تام للسكان، فالليل قد انتصف، والظلام الدامس يكاد يبتلع الرؤية بالكامل، ولم يكن ثمة سوى مصابيح الشارع الشاحبة التي تطرد العتمة على استحياء ،على حافة الطريق المنقطع
وضع صخر ابنته في المقعد الخلفي للسيارة بعناية تناقض ثورته، وجلس إلى جوارها، انحنى وأسند رأسها المتعب على وركيه، نظر إلى وجهها؛ الكدمات الزرقاء تشوه وجنتيها، والدماء الجافة تلطخ جبينها، وشعرها الذي قُص بقسوة يبدو مبعثراً كان صخر في تلك اللحظة شبه غائب عن الوعي هو الآخر، تدور به الأرض من فرط الذهول..
من المقعد الأمامي، التفت عمر، وعيناه معلقتان بمرآة الرؤية الخلفية، وسأل بصوت متهدج:
"هنروح فين؟"
أخرج صخر تنهيدة طويلة، زفرة حارة أعلنت عن مدى التعب والتمزق الذي يعتلج في صدره. ولم يجب بل امتدت كفه الخشنة، وراحت تربت بحنان جارف على خصلات شعرها المقصوص..
ـ
في مكان آخر، بعيداً عن أزقة الحارة المكتومة،كان الجحيم يرتدي ثوباً مختلفاً؛ ثوب النار وصخب الحشود،دوى صوت الانفجار المروع كقنبلة هزت أركان الطريق الصحراوي الممتد. تطايرت شظايا الحديد المشتعل، وارتفعت ألسنة اللهب البرتقالية تلتهم هيكل السيارة كوحش كاسر في عتمة الليل. في غضون دقائق معدودة، تبددت عزلة الطريق؛ بدأت الفرامل تصرخ بعنف، وتوقفت سيارات المارة عشوائياً على جانبي الإسفلت، ليتشكل في لمح البصر تجمهر ضخم من البشر.
تعالت أصوات أبواق السيارات في هرج ومرج، واختلطت صيحات الناس ببعضها:
"حد يطلب الإسعاف!"
وسط هذا الدوار البشري، كانت "لميس" تعيش في جزيرة معزولة من الرعب والذهول،نجحت بمعجزة، وقبل ثوانٍ من الانفجار، في سحب جسد "يوسف" الثقيل بعيداً عن لهيب السيارة، ممددة إياه على الرصيف الجانبي البارد، أحاطت بهما دائرة من الفضوليين؛ بعضهم ينظر بشفقة، وبعضهم يصرخ فيها بتوجيهات عشوائية، والبعض الآخر في قسوة تكنولوجية حديثة رفع شاشة هاتفه يصور المشهد والنار المشتعلة،لكن لميس دخلت في حالة "انعزال الصدمة".صخب الحادث والناس من حولها تحول في أذنيها إلى طنين مكتوم، كأنها تحت الماء؛ لم تكن تسمع سوى دقات قلبها المتسارعة ونحيبها المكتوم. تطلعت إلى يوسف الذي فقد وعيه للمرة الثانية، وجهه الشاحب ملطخ بالدماء التي بدأت تجف، وجسده مستسلم تماماً للموت،هزت كتفيه بكفيها المرتعشتين، وصرخت بنبرة حارقة تطلب منه التمسك بالحياة وسط وجوه الغرباء:
"يوسف رد عليا! متسبنيش لوحدي!"
لم يتحرك نظرت حولها بذعر، رأت الوجوه تتفرج، والوقت يمر كالسيف، والساعة قد تجاوزت منتصف الليل بكثير فجأة، وقعت عيناها على هاتفه المحمول المدسوس داخل الجيب الداخلي لمعطفه الثقيل امتدت يدها المرتعشة كفراشة ذعرت من النار، وجذبت الهاتف،حملقت في الشاشة؛ كانت مغلقة بقفل البصمة،انحنت فوقه، متجاهلة همسات الناس المحيطين بها :الإسعاف جاية في الطريق" أخذت تمسك بأصابعه واحداً تلو الآخر، تجرّبها على المستشعر بلهفة جنونية لا فائدة حاولت استخدام بصمة الوجه؛ قربت الهاتف من وجهه الشاحب، وحركت رأسه يميناً وشمالاً وسط بقع الدم وفجأة، أصدر الهاتف نغمة خفيفة وأضاءت الشاشة معلنة فتح القفل صرخت لميس بصوت مرتجف امتزجت فيه الدموع بالراحة،مررت أصابعها بسرعة جنونية على قائمة الأسماء، تبحث عن ملاذ، عن عائلته، ضغطت على زر الاتصال بوالده رن الهاتف، ورن وسط ضجيج الشارع، لكن لا إجابة كادت تفقد الأمل، فبحثت عن شقيقه "سليم" وضغطت اتصال،جاء صوت سليم عبر السماعة، صوتاً عادياً قادماً من عالم آخر لا يعرف الكوارث، بادرها بمزاحه المعتاد، ظاناً أن أخاه يوسف هو من يتصل به ليرد على تهنئته:"بتتصل بيا ليه عريس؟ ده أنا قلت هتقفل موبايلك وهتعمل شهر عسل تخربها!"
قطعت لميس مزاحه بنبرة حادة متهدجة، نبرة خرجت من قاع الجحيم الذي تقف فيه، وصاحت وعيناها تفيضان بالدموع:
"يوسف عمل حادثة يا سليم العربية انفجرت!"
على الجانب الآخر، وفي دقيقة واحدة، تغير كل شيء. دوى صوت كبح مفاجئ وعنيف للإطارات؛ فرمل سليم سيارته بقوة وسط الطريق العمومي، ليدور بها في الاتجاه المعاكس. التفتت إليه "صافي" بذعر جراء الحِركة المفاجئة وسألته:"رجعت ليه يا سليم؟!"
لم يلتفت إليها، بل صب كل تركيزه الخائف في الهاتف وسأل لميس بنبرة حارقة:
"أنتم فين؟!"
انفجرت لميس بالبكاء، تطلعت حولها إلى النيران المتصاعدة، وإلى الحشود المتجمهرة، والسيارات الواقفة، شعرت بالضياع الكامل وسط هذه المدينة الغريبة:
"مش عارفة! في ناس كتير ملمومة حوالينا اتصلوا بالاسعاف!"
بسرعة بديهة حاسمة، قام سليم بتحويل المكالمة إلى "فيديو" ليرى المعالم بنفسه،ضغطت لميس بأصابع ترتجف على قبول المكالمة، فأتاها صوته المشحون بالخوف والجدية:"خلي الكاميرا علي الطريق!"
رفعت لميس الهاتف، واستدارت بالكاميرا، في تلك اللحظة، حملقت صافي التي كانت تتابع الشاشة بعينين متسعتين من صدمة الرؤية؛ يوسف ممدد بلا حراك، الدماء تسيل بغزارة من جرح عميق في رأسه، وخلفه ألسنة النيران تلتهم الليل، وصوت صخب الناس يملأ المكان، انتاب صافي رعب شديد، ليس فقط من قسوة المشهد، بل من السرعة الانتحارية التي بدأ سليم يقود بها السيارة الآن بعد أن لمح معالم الطريق وعرفها ،قال سليم بنبرة آمرة تحاول بث الطمأنينة وسط النحيب:
"لميس، متخافيش أنا هفضل معاك فاتح الكاميرا لحد ما اوصلك."
لم تعد ترى الناس، ولم تعد تسمع أصوات ولا لغط المتجمهرين، جلست على الأرض، وجذبت رأس يوسف برفق لتضعه على وركيها، محتمية بوجوده من نظرات الفضوليين وبيدين حانيتين، حلت الوشاح الصوفي الدافئ الذي كان يلتف حول رقبتها، وبدأت تمسح به برقة أثر الدماء النازفة عن وجهه الشاحب، وهي تهمس له بكلمات الرجاء ألا يغمض عينيه، ألا يتركها وحيدة في هذا الزحام الموحش..
ـ
نزل صخر من السيارة، وحمل ندى بين ذراعيه مرة أخرى،خطى خطوات مترددة نحو المدخل، كان يعلم في قرارة نفسه حجم الجرم الذي ارتكبه بحق هذه المرأة، ويعلم أنها قد تطرده، فكم أذاقها من العذاب والظلم التفت إلى عمر وأمره بإيماءة من رأسه، فتقدم أبنه وقرع الباب بضربات متتالية،فتحت "كارين" الباب في ثوانٍ معدودة، تجمدت الدماء في عروقها وأصابتها صدمة ألجمت لسانها رأت ندى؛ وجهها مليء بالكدمات، شعرها مقصوص بوحشية، وهي في غيبوبة تامة سألته بلهفة وفزع غريزي:"مالها ندى؟ أيه اللي جرى لها؟!"
كان السؤال يخرج من قلب امرأة عانت الأمرّين على يد هذا الرجل؛ صخر نفسه هو من قطع عنها الماء والكهرباء، وهو من جمد حساباتها البنكية، وبسطوته أخذ منها ابنها الرضيع بموجب الوصاية ،ورغم كل هذا الجبروت الممارس ضدها، طغت إنسانيتها وصاحت به:"دخلها!"
هنا، ولأول مرة، تكسر كبرياء صخر. لمعت الدموع في عينيه، وغلبه خجل حقيقي من أفعاله السابقة، التفت إلى أولاده الثلاثة الذين كانوا يقفون خلفه بترقب، وقال بصوت خفيض منكسر:"استنوا بره."
انسحب الأبناء، وأُغلق الباب دلف الخوف إلى أعماق قلب كارين؛ فالأمر يبدو أكبر من مجرد مشاجرة عائلية سألته وهي تتراجع خطوة للخلف:"في إيه يا صخر؟ مالها ندى؟"
وقف صخر في وسط الصالة الشاحبة، وبدأ يفرك كفيه ببعضهما البعض بتوتر وقلق لم تعهده فيه من قبل، خفض رأسه وقال بنبرة مخنوقة:"ندى... العيلة الصغيرة، طلعت على علاقة بواحد بيبتزها بالصور والرسايل اللي بينهم."
في تلك اللحظة، فهمت كارين كل شيء؛ فهمت سر الكدمات التي تغطي جسد الفتاة، وفهمت جريمة قص شعرها التي كانت عقاباً ثائراً من أب شرقي جرحت كرامته، تملكت كارين رباطة جأشها، وقررت أن تسمعه للنهاية دون مقاطعة،
تنحنح صخر، محاولاً طرد الغصة من حلقه، وتابع وهو يضع يده حول وجهه:
"الشك هيجنني دماغي هتنفجر من التفكير."
لأول مرة منذ سنوات، شعرت كارين ببارقة تعاطف مع هذا الرجل الجليدي نظرت إليه وقالت بنبرة حاسمة ومطمئنة:
"بنتك متربية، دي عيلة صغيرة تلاقي شوية صور و رسايل عبيطة و الواد ده استغل خوفها منه."
هز صخر رأسه بإيماءة يائسة، وأجاب بصوت متهدج:"الكلام مش هيريحني الشك هيجنني."
نظرت إليه كارين بعمق، وسألته مباشرة:
"أنت عايز تعمل إيه؟"
تطلع صخر إليها، وفي عينيه التماس ضعيف، وقال:"كارين... أنتِ دكتورة."
حملقت عينا كارين بذعر، واتسع بؤبؤاها خوفاً مما يرمي إليه وما يفكر به عقله المريض بالشك تراجعت خطوة، وفركت كفيها ببعضهما بقلة حيلة وصاحت:"صخر! أنا مش هينفع أكشف على بنتك أنا واثقة فيها!"
ثم أردفت مبررة بضعف:
"وبعدين أنا درست طب، لكن ممارستش المهنة.. بسبب جوازي."
انكسر صوت صخر تماماً، وبدا كرجل يهوي في بئر سحيق، فترجاها بنبرة ذليلة لم تظن يوماً أنها ستسمعها منه:"كارين... أنا بترجاك."
نظرت إليه كارين. في تلك اللحظة الخاطفة، مرت أمام عينيها صورتها وهي تبكي طفلها الرضيع الذي حرمها منه بسبب الوصاية، تذكرت الظلم الشديد والبيوت المظلمة. لكنها نظرت إلى الفتاة الممددة كالملاك الذبيح على الفراش. تنهدت كارين بمرارة، وقالت بنبرة تهكمية ممزوجة بالوجع:
"وهكشف عليها إزاي؟.، أنت نسيت إنك قطعت الكهربا؟!"
نهاية الليلة الثامنة عشرة
#رواية_حارة_العاشقين
#روايات_انستقرام
#روايات_واتباد
#روايات_تيك_توك
#روايات_يوتيوب