رواية حارة العاشقين:الليلة الخامسة عشرة من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا و الأربعين حـرامي ج١
تلك الليلة لم تكن كسابقاتها في دار "صخر"، بل كانت مشحونة بتفاصيل تغلي على مرجل من التوتر. كان "عاصي" وكيل النيابة الصارم قد ظهر كالظل الثقيل في مشهد التحقيق الذي جمع بين "يوسف" و"لميس" في مكتبه، قبل أن يتدخل "سليم" بحنكته كمحام لينقذهما ويخرجهما من تلك الورطة. لكن سليم الذي كان قبل قليل يفيض بشاشة وضحكاً، سرعان ما تبدلت حاله إلى قسوة جامدة حينما وطئت قدما "ندى" عتبة الدار.
"ندى"، تلك الفتاة اللعوب، الشقية بطبعها، التي تمتطي صهوة الطيش في سنتها المصيرية من الثانوية العامة، كانت تتخذ من الدروس الخصوصية حجة لتغيب عن الأعين، ملبية نداء قلبها الهائم بشاب يتلاعب بأوتار مشاعرها.
دلفت إلى المنزل وقد جاوز الوقت الساعة الحادية عشرة ليلاً. استقبلها "سليم" بنظرات كالصواعق، وسأله بطلب يحمل نذير الشر:
"كنتِ فين؟"
أجابت بتلعثم وخوف تداريه:
"كنت في الدرس.."
فما كان منه إلا أن نطق بتهكم لاذع سخر فيه من عقلها:
—"درس إيه اللي لحد الساعة 11..؟!"
وفي لمح البصر، ثارت ثائرته وانقض عليها كالكاسر، فقبض على خصلات شعرها بقسوة وأهوى عليها ضرباً. صدم الجميع من هذا التحول المرعب، وتجمدت "صافي" في مكانها تراقب المشهد بذعر. اندفعت أمها "ورد" تصرخ خوفاً على فلذة كبدها، ولأن "ندى" لم تكن أخت "سليم" الشقيقة بل كانت أخته من الأب فقط، نغرت غيرة الأمومة في صدر "ورد"، فصاحت به حانقة:
"وإنت مالك أبوها وأخواتها موجودين!"
ثم التفتت إلى ابنها "زين" تمتطي صهوة رجائها، منتظرة منه موقفاً يردع سليم، وكذلك فعلت "نجوى" التي ترقبت ردة فعل زين عالمة بخجل ابنها سليم. لكن الرد جاء حاسماً قاطعاً كالقضاء؛ إذ دلف "زين" إلى المطبخ، وقبض على مقص حاد من أدواته، ثم خرج ورماه بعنف عند أقدام "سليم"، وقال بنبرة لا تقبل الجدال:
"اللي قاله سليم هو اللي هيمشي.. قال مفيش مدرسة وهتتجوز يبقى كلامه يتنفذ!"
مرت دقائق كالصخور الثقيلة حتى عاد كبير العائلة "صخر" إلى الدار. اندفعت نحوه "ورد" باكية تشتكي له جور أبنائه على ابنتها. خلع "صخر" حذاءه ببرود قاتل، والتفت إليها مختصراً كل القول بتهكم مر:
"خلاص نخليها ترجع متأخرة ونركب قرون علشان ترتاحي!"
في تلك اللحظة، كانت نظرات الزوجات تمتلئ بالشرار؛ "ورد" ترمق ضرتها "نجوى" بنظرات تشتعل غلاً، بينما كانت الضرة الثالثة "نوارة" تجلس على أريكتها، تكتم ضحكة شامتة تكاد تنفجر من بين شفتيها، منتشية بوقوع ضرتيها في نحار، حاسبة نفسها الفائزة الوحيدة في هذه المعركة.
دخلت "ورد" مسرعة إلى غرفة ابنتها "ندى" لتطمئن عليها بعد أن خرج "سليم"، وأثناء مرورها به نكزته بقوة في كتفه الأيمن ودعت عليه بقلب محروق:
"منك لله.. ربنا يأخذك ويريحنا منك!"
هنا فاض الكيل بـ "نجوى"، فلم تحتمل الدعاء على ولدها، وردت صارخة:
"منك لله أنتِ! بتدعي على ابني علشان بيربي أخته؟!"
خرجت إليها "ورد" كاللبوة لتلقنها درساً:
"وزين لو كان ضرب بنتك كنتِ هكتسي؟!"
أطلقت "نجوى" ضحكة تهكمية جافة وقالت:
"يا ختاي ياريت يخاف على اخواته البنات شبه سليم!"
عادت "ورد" إلى الغرفة، فتفاجأت بوجه ابنتها "ندى" وقد غطته الكدمات الزرقاء، وشعرها الطويل الذي قص وبترت خصلاته. صرخت "ندى" صرخة مكتومة مزقت سكون الغرفة:
"أنا مش هقعد في البيت.. أنا عايزة أكمل تعليمي!"
في تلك اللحظة العاصفة، دلف "صخر" إلى الغرفة بخطى ثقيلة، وامتدت يده ليتناول هاتفها الملقى على السرير. ارتجف قلب "ندى" وتسارعت دقاته كطبل الحرب؛ فلو فتحه لعلم حقيقة ما تخبئه من الرسائل الغرامية السرية بينها وبين حبيبها المتلاعب.
لمحت "صافي" هلع عينيها واضطرابها، فأدركت بذكائها حرج الموقف، فتقدمت بسرعة وقالت لعمها صخر تشغله:
"كريم عايز لبن وبامبرز."
في لحظة خاطفة، تغمدت عناصر الأبوة والعاطفة قلب "صخر"، فأنساه الأمر هم الهاتف، فوضعه على السرير مرة أخرى والتفت ليلبي حاجة الطفل. تسللت يد "صافي" اليمنى برفق، فالتقطت الهاتف وأخفته بين ملابس الرضيع.
هنا تنفست "ندى" الصعداء، ووضعت كفها الأيمن فوق جرحها النازف في رأسها وروحها، وأمالت رأسها نحو "صافي" بنظرة تفيض امتناناً وشكراً. بادلتها الأخرى بهزة رأس خفيفة تطمئنها بعد أن غادر "صخر" الغرفة، ثم أعادت الهاتف إلى السرير. التقطته "ندى" بأصابع مرتجفة، وفتحتها لتمسح جميع الرسائل والصور المتبادلة.. لكنها، في غفلتها، لم تكن تعلم أن حبيبها الغادر يملك نسخاً منها، وأن رسائل التهديد والابتزاز ستكون سوطاً عليها فيما بعد.
وفي صالة الطعام، كان "زين" يجلس على الطاولة، ويقابله "سليم" الذي كان ينقر بسن قلمه فوق الأوراق بإيقاع منتظم يعكس عميق التفكير. بادره "زين" بسؤال فيه شيء من التشكيك:
"أنت هتجوزها ولا بتهددها؟"
خرجت زفرة طويلة حارة من رئتي "سليم"، وقال بإصرار:
— "البت لما تكون شقية حلها الجواز.. وهشوف أي محامي من زملائي أكيد أي واحد بيدور على عروسة!"
تهكم "زين" على حديثه وقال ملمحاً لعيوبها:
"وهي تعرف إيه عن الجواز.. لا بتعرف تطبخ ولا تغسل."
استمر "سليم" في النقر بالقلم على الطاولة، وقال بنبرة صارمة لا لين فيها:
"غصب عنها هتتعلم!"
خرجت "صافي" من غرفة ندى وخطاها تحمل ثقل الأسرار التي أنقذتها لتجنيها. رفعت عينيها لتلتقي بنظرات "سليم"؛ كانت عيونها تفيض بالأسئلة والعتب عن تلك القسوة المفاجئة التي ارتداها كقناع في دقائق معدودة، مبدلاً ضحكه بجبروت لا يرحم.
التفت "سليم" برأسه، فتفاجأ بتلك النظرات المصوبة نحوه كالسهام، فسألها بنبرة جافة:
"في حاجة؟"
هنا هبت "صافي" واقفة على قدميها، وقد تملكها الغضب لتشعل فتيل مشاجرة جديدة، فقالت بصوت حانق:
"إيه العنف اللي أنت فيه ده؟!"
انتفض "سليم" هو الآخر واقفاً قبالتها، مستمعاً إلى توبيخها، لكنه سرعان ما استدعى سخريته المعتادة ليصد هجومها، فقال بتهكم لاذع:
"ياريت بلاش تحشري مناخيرك اللي هي قاطعة عاملة شبه زلومة الفيل!"
وما إن نطق بهذه الكلمات حتى انفجرت شقيقتاه "سارة" و"زهرة" في ضحك هستيري تهكماً عليها. التفتت إليهما "صافي" برأسها، ترمقهما بنظرات وعيد وتهديد، لكن ثمة أمراً أكثر أهمية كان يحدث أمامها؛ إذ كان "سليم" لم يزل يلملم أوراقه المنثورة على طاولة الطعام معلناً الرحيل.
توجه "سليم" نحو عتبة باب الشقة، فاستوقفه صوت أبيه "صخر" متسائلاً:
"رايح فين؟"
أجابه "سليم" وهو يرفع حقيبة ملابسه، ليضعها على كتفه الأيمن بإصرار:
"هفضل في السطح لحد ما أروح الجيش."
كرر عبارته للمرة الثانية، غافلاً عن أن "صافي" كانت تنتظر بفارغ الصبر لتعود إلى "بيت الجبالي"، مدعية أن الإقامة فرضت عليها فقط من أجل وصاية شقيقها الرضيع. وما كان منها إلا أن أطلقت صوتها يحمل تهكماً بالغاً:
"أحسن.. هنرتاح منك!"
التفت إليها "سليم" بنظرة جامدة، لم يجبها بكلمة، بل فتح باب الشقة مستعداً للصعود. لكن صوت "صخر" جاء ليقطع عليه طريقه:
"استنى تتعشى معانا."
أعاد "سليم" تعديل وقفته وأجاب باحترام:
"هطلع الشنطة وهنزل اتعشى معاكم."
في هذه اللحظة، رمت "صافي" أول سهام مكرها؛ إذ جلست على الأريكة وهي تحتضن الرضيع "كريم"، وقالت بنبرة تقطر تحدياً:
"بما أنك الأمر والناهي في العيلة.. كريم عايز لبن وبامبرز!"
ألقى "سليم" حقيبته على الأرض بعنف، وتقدم حتى وقف قبالتها مباشرة، ثم قبض بكفه الأيمن على ذراعها الأيسر بقوة، حتى ترنح جسدها واهتزت جلستها على الأريكة، وقال لها بفحيح مرعب:
"بت أنتي.. أنتِ تبعدي عني أحسن لك!"
اجتمع أفراد العائلة كلهم في غرفة المعيشة، يراقبون هذا الشجار المحتدم بينهما بأنفاس محبوسة. وهنا، تدخل "صخر" بصوته الجهور ليضع حداً لهذه المشاحنات التي ضاق بها ذرعاً، فقال بسخرية بالغة تنم عن سأمه من حماقاتهما:
"سليم هتروح تشتري اللبن والبامبرز لكريم.."
ثم التفت نحو "صافي" وأردف قائلاً بذات النبرة اللاذعة:
"وصافي هتروح معاك!"
نهاية الليلة الخامسة عشرة
#رواية_حارة_العاشقين
#روايات_انستقرام
#روايات_واتباد
#روايات_تيك_توك
#روايات_يوتيوب