رواية حارة العاشقين الليلة الرابعة و العشرين

رواية حارة العاشقين: الليلة الرابعة والعشرون من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا والأربعين حرامي ج١
تسمَّرت عينا «ياسمين» فوق تلك الورقة الرسمية المصلوبة بين يدي غريمها؛ كان «صخر الصغير» يقلّبها بحركات عشوائية بين أصابعه العريضة، يُمعن النظر في أختامها الميرية وعنوانها المكتظ بالرموز الأكاديمية، لكنه ورغم جثامته الفارهة وهيبته الشوارعية الطاغية كان يحملها رأسًا على عقب!
محا طيفُ لسانه شفتيه وهو يتهجى حروف اسمها بنبرةٍ متقطعة ومضطربة، تخرج من حنجرته بحشرجة أُمّيةٍ طفولية تُناقض كل ما ينضح به بدنه من قسوةٍ مجسدة.
في تلك اللحظة بالذات، انكسرت حدة التوتر في صدرها، وافترّ ثغرها عن ابتسامةٍ رقيقة تحفها شماتةٌ ناعمة ودوافع استعلائية لترويض هذا المتمرد، فقاطعت تعثره الثقيل قائلة بثقةٍ أثيرية: «اسمي ياسمين.»
رفع «صخر الصغير» حاجبيه الكثيفين باستخفافٍ صريح، ثم مال بكتفيه إلى الخلف يتهادى بجسده الفارع، وأشار بسبابته نحو الرجل المتضاؤل القابع بجواره، قائلاً بصوتٍ جهوريٍّ يتهكم: «شلبي.. مدير الدار!»
نكز «شلبي» صخر في كتفه الأيمن بحدة—ذلك الكتف الذي بالكاد كان يصل إليه ببدنه القصير مقارنةً بقامة صخر السامقة كالسد—ثم اندفع يرحب بالدكتورة بنبرةٍ متملقة تشوبها المحاباة:
«أتفضلي يا دكتورة.. مكتب حضرتك جاهز. وصلها يا عم إبراهيم.»
أومأ العامل «إبراهيم» برأسه طائعاً، وتناول حقيبة ياسمين الجلدية الأنيقة ليتقدمها بخطى وئيدة. ارتسمت ملامح السخرية المظلمة على وجه صخر وهو يقلّب عينيه بملل؛ بينما مضت ياسمين تتأود في مشيتها، تتمايل بخطواتٍ مائتة فوق كعب حذائها العالي بكبرياءٍ أنثوي، واضعةً كفيها داخل جيوب معطفها الفاخر.
لمعت عينا «شلبي» برغبةٍ دنيئة؛ أخذ يلتهم تفاصيل جمال تلك الغضة ونعومتها، ولاعب حاجبيه إلى الأعلى، ثم رطّب شفتيه بلسانه وهتف بتقززٍ مألوف موجهًا حديثه لصخر:
«أبوس يديك.. مطفشهاش!»
سحب صخر علبة السجائر من جيب سترته الجلدية السوداء، واستلّ منها واحدة رشقها بين شفتيه، ثم أقدح ولاعته وسأله بنبرة خاوية من أي اهتمام: «الدكتورة عجباك؟»
مرّر شلبي لسانه حول شفتيه بشهوةٍ مكشوفة، وهو يتهامس بعينين زواحفية حاقدة:«دي مفيهاش غلطة.. مالي عينيك بالجمال قبل ما تشوف الحيزبون اللي هتروح لها!»
ثم ضرب على كتف صخر الأيمن ليُعيده إلى حيز الصفقة التجارية، مستطردًا بجديةٍ مادية:«عايزاك تجهز نفسك للماتش.»
أومأ صخر برأسه إيماءة مبهمة، وقفل راجعاً نحو البوابة الرئيسية. ظنّ شلبي أنه ذاهب لاستبدال ثيابه والاستعداد لمباراة الملاكمة، فلم يعبأ به. لكن صخر حاد عن الطريق؛ حثّ خطاه الثقيلة نحو الرواق الأيمن، ذلك الممر الضيق الفاصل بين وقوفه الخارجي وبين غرفة مكتب «ياسمين». مرّ من أمام نافذتها المفتوحة بخطواتٍ متهادية، والسيجارة تتوهج بين شفتيه، يرسل دخانها الكثيف عبر الهواء..

ارتفع صوت رنين الهاتف من جيب معطفه ليقطع هدوئه وهو واقفٌ بجوار هيكل السيارة الفارهة، فاستجاب «باشا الصغير» للمكالمة مستفقداً شقيقته ليطمئن على وصولها إلى المأوى،جاءه صوت «ياسمين» عبر الأثير خافتاً يكسوه الوجوم وهي تجلس في مكتبها بالدار: «وصلت من نصف ساعة...»
ساور القلق فؤاده، وتوجّس خيفةً ليقاطعها بحدة: «في حد ضايقك؟»
نفت بنبرة يملؤها الأسى: «لأ، لكن هنا الشباب متدمرين.. ده حتى معندهمش أحلام، عايشين كده زي ما تيجي معاهم!»
ارتسمت على شفتيه ابتسامة استعلاء، وأجابها بجفاءٍ لا يخلو من الطبقية: «متبقيش حساسة، دول مجرمين ولو مكنش في دار أيتام كان زمانهم بيشحتوا في إشارات المرور!»
وفي تلك اللحظة بالذات، وقعت عيناه على ركامٍ إنساني متجسد في فتاة ترتدي أسمالاً بالية، تقف بجوار سيارته ترسم بأصابعها دوائر على طبقة الغبار المتراكمة على الهيكل، وتحدق في المرآة الجانبية ببلاهة.
نهرها بنبرة تقطر احتقاراً: «أنتِ مين؟!»
شهقت «مريم» جافلة، وبصقت بصقة وهمية داخل ياقة كنزتها الشتوية المهترئة تجنباً للحسد على طريقة البسطاء، وقالت بعفوية: «خضتني!»
حرك كفه بحركة متكبرة آمراً: «هشششش ابعدي عن العربية.»
وبسلوكٍ شوارعيٍ تمردي، نزعت مريم العلكة من بين شفتيها ولصقتها مباشرة على زجاج النافذة. انقشعت الدهشة عن وجهه ليحل محلها الغضب الصارم، وسألها مستنكراً: «انت بتعملي أيه؟!»
تهكمت عليه بعينين تتصلدان بالجرأة: «خايف علي عربيتك للتوسخ!»
استجمع كبرياءه وتحدث برسمية جافة: «أأنتِ شحاتة؟»
نهرته بلسانٍ سلاط وقسوة حارقة: «انا مش شحاتة أنا ببيع ورد في الإشارات، عايز اشتري مش عايز وريني عرض قفاك و إلا هنسل الشبشب علي دماغك!»
صدمته جراءة لسانها، غير أنه ابتسم بمكرٍ واستعلاء لم يرحم قلبها الهش: «انا ساكت علشان أنت عيلة صغيرة مع أنك لا عيلة و لا حاجة.. أنت صندوق زبالة متنقل! أنا لو ناديت علي الأمن و قلت أنك سرقت المحفظة هتفضلي في السجن طول عمرك.. تحبي تعرفي بتكلمي مين!»
وقعت كلماته على مسامعها كصفعةٍ ثقيلة؛ فادركت مريم كم هي ضئيلة وهشة في مظلمة هذا العالم المتوحش..
ترددت خطواتها وهي تتراجع للخلف، بينما فتح هو باب سيارته، واستقر في المقعد الأمامي ليعود إلى محادثة شقيقته عبر الهاتف قائلًا:«سمعت اللي بتقولي عليهم ضحايا المجتمع، المهم اجي اخدك أمتي؟»

لكن مريم، التي يجري في عروقها دم التمرد والعناد، لم تحتمل مرارة الإهانة؛ انحنت بجسدها النحيل، وقبضت على جلمود حجر كبير، وقذفت به الفانوس الخلفي للسيارة لترتطم به مطيحةً به في هشيمٍ مروع!
تردد صداه العنيف في الأرجاء، فنزل باشا الصغير مهرولاً يتفقد مصدر الفوضى، ليفاجأ بدمار الفانوس الخلفي، وفي هذه الأثناء، كانت مريم تذرع الشارع ركضاً بقلبٍ يخفق كالطبل، حتى اختبأت خلف جذع شجرةٍ ضخمة تقطع أنفاسها المتلاحقة،وعندما أطلت برأسها كطفلة مذعورة تترقب العقاب، فوجئت برجلٍ يقف على مقربة منها، في عينيه شواخصُ تساؤلاتٍ تسعُ هول يوم يبعثون! انتحبت بدموعٍ حارة وأخبرته بتوسل:«أنا مكنش قصدي!»

على جانبٍ آخر من الشارع، كان رجلٌ يقف متوتراً يتحدث عبر الهاتف مع «حسين»، المشرف العام على المأوى الذي تقبع فيه مريم: «في أيه يا علي علي الصبح؟»
أجابه علي بنبرة قلقة: «البت مريم كسرت فانوس عربية رجل!»
اشتعل القلق في صدر حسين؛ إذ كان يكنّ لهذه الصغيرة مشاعر خاصة، وقد وعدته مديرة الدار بمنحها له زوجة فور بلوغها. قال بصوتٍ مضطرب: «انت فين أنا جاي لك!»
رد علي محذراً: «لأ دي هيبقي فيها س.ج، مين اللي مخليها تشحت في الإشارات و الدار هيتقفل!»

في هذه الأثناء، كانت مريم تجاهد لاستعطاف «باشا الصغير» والدفاع عن نفسها: «حقه كام يا خويا أنا دفع لك حقه!»
ثم استلت كيساً قماشياً خفياً من ثنايا حمالة صدرها، ولوحت به أمام عينيه وهي تسأل: «حقه كام؟»
أنزل الشاب الهاتف عن أذنه قليلاً، ونظر إليها بسخرية لاذعة: «وانت معاك حقه؟»
أخرجت مريم رزمةً من الأوراق النقدية الملفوفة بشريط مطاطي، وبدأت تعدها بعجلة، تبل إبهامها ببصاقها لتقليب الأوراق بسرعة، وهو منظر أثار في نفس باشا الصغير موجة عارمة من التقزز والاشمئزاز، فقال بنبرة تهكمية: «انت فاكرة أن هلمس الفلوس بعد ما تفيت عليها؟ إحنا نروح القسم و ادفعيهم هناك!»
زعقت برعب: «خلاص يا خويا هنضفها!»
وبعفويةٍ شوارعية مسحت الأوراق النقدية بثيابها المهترئة، ثم رفعتها ملوحةً بها أمامه: «بقيت زي الفل!»

وفي تلك اللحظة المفصلية، انطلق صوت رنين هاتفه الجوال بمكالمةٍ طارئة؛ فكانت تلك فرصة مريم الذهبية للفرار والابتعاد تماماً! انطلقت كالريح تاركة إياه منشغلاً بالرد على مكالمة ابن عمه «حمزة».
سأله باشا الصغير عبر الهاتف: «قصدك أيه؟»
أجابه حمزة موضّحاً الخطة التسويقية: «هتروح تتصور كام صورة مع البنات اللي في الدار و تدفع التبرع و ترجع ثاني و أنا هخلي الصحفيين ينزلوا الصور في الجورنال..»
قلّب باشا الصغير عينيه بضجر متابعاً: «و مديرة الدار هتوافق؟»
رد حمزة بثقة: «انا متفق مع المصورين والصحفيين و مديرة الدار، أهم حاجة في الصور تبان أنك مش مقروف ده هيخدمنا في الحملة الانتخابية!»
لمع حدس خبيث في رأس «باشا الصغير» وهو يستمع لخطة حمزة؛ أغلق الهاتف وأدار وجهه يميناً وشمالاً ليمسك بتلك الفتاة ويستغلها، لكنه فوجئ بأن الرصيف خلا منها تماماً.. لقد تبخرت في الأزقة كأن الأرض ابتلعتها!
ضرب كفه على عجلة القيادة بغيظٍ مكتوم، واشتعلت رأسه غضباً؛ كيف لتلك "الطفيلية" أن تتجرأ على كسر فانوس سيارته ثم تفرّ هكذا ببساطة؟! صرّ على أسنانه بقسوة، وأدار محرك السيارة وانطلق بها يذرع الشوارع المحيطة ببطء، ينظر عبر الزجاج المظلل بعينين تقدحان شراراً، مصمماً على أن يجدها ولو تحت الأرض.
مرّت ساعة.. ثم ساعتان، ثلاث ساعات وهو يطوف الإشارات والدروب كالمجنون، كبرياؤه يجرحه مع كل دقيقة يضيعها في البحث عن فتاة الزهور أسمالها بالية! وفجأة.. وسط زحمة السيارات وصخب أجهزة التنبيه عند إحدى الإشارات المزدحمة، لمح طيفها!
اتسعت عيناه، وانفردت أسارير وجهه بابتسامة نصر حاقدة وهو يراها تتنقل بخفة بين السيارات، تحمل باقات الورد وتلوح بها للسائقين، كان على وشك أن يقفز من سيارته ويمسكها من ياقة كنزتها ليعلمها الأدب، لكنه توقف في لحظة فارقة؛ تذكر صور الحملة الانتخابية، ونظر إلى وجهها المجهد وثيابها المهترئة، فتمتم بينه وبين نفسه بسخرية ومرارة:«امسك أعصابك لحد الحملة ما تخلص»
ركن سيارته على جانب الطريق، وأسند مؤخرة رأسه إلى مسند المقعد يراقبها بغلٍّ وشغفٍ خفي، يتابع كفاحها وقسوة يومها، يتجرع مرارة الإنتظار وهو يحترق من الداخل، منتظراً لحظة خلوها..
-
نهاية الليلة الرابعة والعشرين