رواية حارة العاشقين الليلة الثالثة عشرة

رواية حارة العاشقين: الليلة الثالثة عشرة من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا و الأربعين حرامي ج١
استكانت عجلات سيارة الأجرة أخيرًا عند تخوم حارة "الجبالي"، فانشق الباب عن وثبة "صخر" وأبنائه الأربعة، يطأون الثرى بخُطى وئيدة ملؤها الزهو، كأنهم ملوكٌ يستردون عرشًا سُلب منهم بسط صخر كفه اليمنى ناصبًا ورقة مالية من فئة كبرى في وجه السائق، وقذف كلماته بجفاء غليظ:
«خذ سبعين، وهات الباقي».
سبعين أيه؟! أنا عديت بيكم حواري كتيرة علشان اوصلكم الحارة المعنفة دي!»
استشاط صخر غضبًا، واندفع يفتح باب السيارة بقوة وهو يهتف متهكمًا مستصغرًا شأنه:
«يعني عديت بينا القنال؟ أنزل يا روح أمك!»
ترجل السائق على الفور، وكان يضمر الشر إذ يخبئ تحت دواسة السيارة آلة حادة (مطواة)، فاستلها وأخذ يلوح بها في الفضاء بوعيد وعنف مفرط..
توجس أبناء صخر الأربعة خيفة على والدهم، وظنوا أن السائق واقع تحت تأثير غيبوبة مخدرة أذهبت رشده وجعلته في هذه الحالة من الهيجان، في تلك الأثناء، اشرأبت أعناق نساء عائلة الجبالي من الشرفات لاستطلاع الأمر، بينما ترجلت مياسين وبناتها من سيارة الأجرة الأخرى، واتسعت أعينهن ذهولًا وهن يشهدن لأول مرة صراعًا بالأسلحة البيضاء وجهًا لوجه..
همّ الأبناء الأربعة بالتدخل لولا أن زجرهم صخر بصوت هادر زلزل المكان:
«محدش يتدخل!»
كانت الحارة تغلي كمرجل، وبدا واضحًا أن أهل الحارة قاطبة يقفون عصبة واحدة خلف هذا "الصخر"، فهو سيدها المطاع ومهيب الجانب فيها. وهنا، أطلق صخر أولى سهام سخريته المذلة نحو السائق:
«ارمي القصافة اللي في ايديك لتعورك!»
ضجت الحارة بالضحكات الساخرة، وسقطت هيبة الرجل في طرفة عين، فأردف صخر مهددًا بنبرة تقشعر لها الأبدان:
«عليا الحرام من ديني لو ما ركبت عربيتك و مشيت لعلقك مكان العجل!»
وما إن تعمّد السائق الصياح والتطاول محاولًا استجماع شجاعته المنكسرة، حتى باغت صخر بركلة مسددة وقاتلة في رجولته، شلت أركانه وخرت قواه، فسقطت الآلة الحادة من يده لتصطدم بالأرض وفي لمح البصر، انقض صخر بكفه اليمنى يقبض على تلابيب قميص السائق، وجره وراءه ذليلاً كالشاة نحو مدخل حانوت الجزارة (القصاب)...
قالت زهرة بتوجس:«هنعيش هنا إزاي»
نكزتها مياسين في كتفها الأيمن، وأمرتها بقسوة أن تتبعها هي وأختها إلى داخل البناية قائلة:
«خلينا ندخل دي شكلها خناقة كبيرة».
لم تمضِ دقائق حتى شق سكون الحارة عويل سيارة الشرطة، وترجل منها رئيس المباحث "أرغد المصري" يتبعه العساكر بخُطى رتيبة صوب حانوت القصاب. رفع أرغد الباب الحديدي بكفه، وأمر صخر بالخروج قائلاً بتهكم مألوف:«ايه يا معلم صخر لازم كل خميس تبات في الحجز؟ أنا مدرستكش في الكلية»
ثم أشار إلى العساكر:«نزلوا».
امتثل العساكر للأمر، ثم التفت أرغد برأسه إلى صخر:«اركب العربية يا معلم صخر».
مسح صخر وجهه بكفيه وهتف بسخرية لاذعة:
«يا ارغد باشا ده فتح عليا مطوة و الشارع كله شاهد».
رد أرغد بصرامة وهو يطبق الأصفاد الحديدية حول معصمي صخر:
«اركب العربية يا معلم صخر».
حين خرج صخر مصفدًا، حاط به أبناؤه الأربعة، ولمح والده عند مدخل البناية يهم بالاقتراب، فأشار إليه بكفيه زاجرًا ألا يتقدم لكي لا تطاله يد الاعتقال هو الآخر، وفي شرفة الطابق العلوي، كانت نسوة الجبالي يرمقن المشهد ويتمتمن بغيظ مكتوم:
«كل يوم خناقة في الشارع؟»
وسرعان ما انقلب الحديث بين "صدف" والحاجة "فاطمة" إلى مشادة حامية بعد أن حشرت زوجات صخر الثلاث أنفسهن في الحوار، حيث قالت نجوى:
«يعني مش زعلانة عليه ده لسة عامل عملية و هيبات في الحجز!»
فردت صدف عليها بحدة:
«وانت هتعلميني أقول أيه علي أخويا؟»
فصل بين شجارهن رنين جرس الباب، فتحت صدف وهي تستشيط غضبًا، فحملقت عيناها ذهولاً ورعبًا حين رأت والدها واقفاً أمامها، يضم فتاتين تحت جناحيه، وخلفهم امرأة بالغة غريبة..

من خارج سيارة الشرطة، هز سليم رأسه لصخر مطمئنًا إياه بأنه سيخرجه الليلة مهما كلف الأمر، جلس صخر في الصندوق الخلفي يقابله السائق الذي بات يتوجس منه خيفة، وهنا لفح صخر وجهه بنبرة تحدٍّ سافر:«عليا الحرام من ديني، لشقك نصين في الحجز!»
صرخ السائق مستغيثاً بالعسكري:«سمعت بيهددني!»
أخرج صخر علبة السجائر من جيب معطفه، ومد يده بها نحو العسكري قائلاً:
«عفر تلاقيك خرمان من الصبح».
وضع العسكري كفه الأيمن فوق صدره تقديراً، ومد يده اليمنى ليأخذ علبة السجائر ممتنًا:
«يدوم العز يا معلم صخر خيرك سابق».
أيقن السائق حينها أنه هالك لا محالة، فهذا "الصخر" تضرب جذور جمائله ونفوذه في كل زاوية،وهنا سأله صخر باهتمام مدروس:
«ابنك خد الدبلوم ولا لسة؟»
أجابه العسكري بشجن واستفاضة:
«خده بس بعيد عنك ملموم علي شوية عيال صيع فقدوه».
وهنا اقتنص صخر الفرصة الذهبية:
«يرضي يشتغل في المستودع؟»
رحب العسكري بالفكرة لاهثًا:
«ياريت تبقي خدمتني خدمة العمر».
أومأ صخر برأسه إيجاباً، ووضع السيجارة خلف أذنه اليسرى في خيلاء..

في الجانب الآخر من المدينة، فتحت "كارين" سحاب حقيبتها لتنتشل علبة قطيفة مخملية، تضم قطعاً من المجوهرات الثمينة. لمستها بكفها بحسرة تملأ قلبها المنكسر، ثم استقامت في وقفتها، وارتدت معطفها وحذاءها ذو الكعب العالي، ووضعت العلبة داخل حقيبة يدها الجلدية الفاخرة، ثم التفتت إلى بناتها قائلة:«هحاول أبيعهم بثمنهم».
أحكمت ربط حزام المعطف حول خصرها النحيل، ثم فتحت الباب،
تنهدت "جيهان" بضيق شديد وقالت:
«أنا خايفة مش عارفه ليه».
طمأنتها "صافي" بنبرة يسكنها اليأس:
«معندناش حل ثاني».
وفي تلك الأثناء، اهتز هاتف كارين باتصال من المحامي "كمال"، فردت عليه بصوت متهدج معتذرة:«أستاذ كمال، أنا آسفة على كلام صافي هي متقصدش».
تهكم عليها كمال، ونطق بشماتة مجردة حاول مواراتها دون جدوى:
«مدام كارين، بكرة هيوصلك إخطار من النيابة الحاج صالح قدم طلب في نيابة الأسرة لطلب الوصاية علي كريم».
تجمدت الدماء في عروق كارين، وتوقفت في مكانها مستندة بكفيها على سيارة مصطفة، بينما تجمعت الدموع في عينيها وسألته بقلب مرتجف:«المفروض أعمل أيه أنت هتكون موجود معايا في الجلسة؟»
قهقه كمال بمرارة وألقى بقنبلته الأخيرة:
«صخر لغي التوكيل اللي كان عامله لي كريم إدارة الشركة و الأملاك و أبن كريم بقوا ملكك لصخر».
حين أغلقت الهاتف، ارتجف جسدها بأكمله كقصبة في مهب الريح. لمحت صائغاً على مقربة من الشارع الرئيسي للمسكن، فمسحت دموعها وتمشت بخطى وئيدة، واضعة كفيها داخل جيوب معطفها، رفعت قدمها اليمنى فوق عتبة المحل ودلفت إلى الداخل، يمتد بصرها نحو الواجهة الزجاجية البرّاقة، سألها الصائغ:
«اتفضلي؟»
أنزلت الحقيبة الجلدية عن كتفها، وفتحت السحاب لتخرج علبة المجوهرات وتضعها فوق الزجاج قائلة:
«عايزة ابيعهم».
كانت المجوهرات تتلألأ تحت الضوء الأبيض الساطع للمحل. سألها الصائغ بريبة:
«فين الفواتير؟»
زمت كارين شفتها العلوية تهكماً وقالت:
«اكيد مش هفتكر».
ثم ألحت عليه:
«ممكن تاخدها بنصف ثمنها».
أومأ الصائغ برأسه نفياً، ورغم أن مظهرها الأنيق لا يوحي بأنها لصة، إلا أنه قال بأسف:
«للاسف مش هينفع لازم الفواتير».
وقعت كلماته كالصاعقة على رأسها، فأومأت برأسها موافقة، وأعادت المجوهرات إلى علبتها ثم إلى الحقيبة الجلدية، وأغلقت السحاب وغادرت المحل مطأطئة الرأس. هناك، وعيت أخيراً أنه هو من فاز في هذا التحدي الشرس، وعرفت مدى ضآلتها أمام سطوة عائلة الجبالي، وهَمَست لنفسها باعتراف مرير:
«اعترفي.. أنكِ مش قده».

في شقة الجبالي، رحبت الحاجة فاطمة بأحفادها، في حين تملّك الفتياتِ خوفٌ رعديد؛ فمنذ دقائق معدودات عاينّ مشاجرة دموية بالأسلحة البيضاء وانتهت باقتياد عمهن إلى المخفر. وهنا استأذنت "سارة" بملامح منقبضة:
«عايزة أدخل الحمام».
أفسحت لها صدف الطريق قائلة:
«تعالي يا حبيبتي، أتفضلي ».
شعرت "زهرة" بامتعاض وقرف شديدين من أزقة الحارة الشعبية وبساطة المنزل وأثاثه، فهبت واقفة على قدميها وقالت بنبرة حادة:
«مش خلاص ابنك عمل نفسه خايف علينا خلينا نمشي من فضلك».
اغرورقت عينا الحاج صالح بالدموع وسألها بشجن كالعتاب:
«أنت متضايقة مننا يا زهرة؟»
قلبت زهرة عينيها في دلال فج وقالت:
«أنا معرفش أنتم مين اللي كان رابطنا بيكم مات».
صرخت بها مياسين لتلقنها حدود الأدب:
«احترمي نفسك وأنت بتكلمي جدك»
خرجت سارة من الحمام مجدداً وسألت صدف بضيق:«عايزة مناديل جديدة مش مفتوحة».
تهكمت عليها صدف بضحكة ساخرة:
«علبة المناديل جديدة لأننا بنستخدم المنديل  بعد الشطاف».
امتعضت سارة وقالت بقرف:
«شطاف؟! أنت عارفة كمية الجراثيم اللي عليه؟»
عقدت صدف ساعديها فوق صدرها وأجابتها بنبرة تفيض بالثقة:
«دينا الإسلامي يحثنا على الطهارة والنظافة الشخصية، والنظافة بالمية بتمنع تشكل الجراثيم وتكاثرها؛ المناديل الورقية مش بتنضف بشكل الكافي، بالعكس بتسيب بقايا الفضلات في جهاز الإخراج».
زمت سارة شفتها العلوية متهكمة وقالت:
«مش عايزة أدخل الحمام شكراً».
أطلقت صدف ضحكة مجلجلة وهتفت بسخرية:«براحتك خليك مزنوقة!»
وهنا، قطعت مياسين الجدال بإعلان قرارها الأخير والحاسم الذي وقع كالصاعقة على الفتيات:«جدتكم مريضة و لازم رعاية وأنا راجعة لندن و أنتم هتفضلوا هنا في بيت الجبالي».
نهاية الليلة الثالثة عشرة
#رواية_حارة_العاشقين 
#روايات_انستقرام 
#روايات_واتباد 
#روايات_تيك_توك 
#روايات_يوتيوب