رواية حارة العاشقين:الليلة السابعة عشرة من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا و الأربعين حـرامي ج١
أشرقت ملامح الغرفة على مشهد ينضح بالتوتر؛ دلف صخر وفي عينيه وعيد يسبق خطواته، بينما كانت ابنته ندى تلتحف بأمان زائف، واثقة كل الثقة أن محوها للصور والرسائل من هاتفها قد جعلها بمعزل عن بطشه، غافلة عن أن غيظ أبيها لا تكبحه الحيل.
اندفع صخر نحو الأدراج بعنف جارف، يبحث بنهم وغيظ، لتهبط الصدمة على قلب ندى كالصاعقة وينهش الرعب أوصالها. التقط علب أدوات الزينة (المكياج) وأطاح بها أرضاً لتهوي متحطمة نثاراً، ثم التفت نحو ورد يصيح بجهارة متهكمة:
"عيلة صغيرة مخلياها تشتري مكياج ومخبياه مني؟!"
خرّت ندى مستسلمة لدموعها، تجثو على ركبتيها وهي تجمع شتات زينتها التي ابتاعتها من مصروفها الخاص، في حين اندفعت ورد تحاول استعطافه وتهدئة ثورته العارمة قائلة:
"خلاص أنا هرميه."
رمقها صخر بنظرات تقطر قسوة، وصرخ بصوت زلزل أركان المكان:
"علشان أخرج من هنا وتلمي من هنا.. محدش وصلها للحالة دي غير دلعك فيها!"
ولم يكد يُنهي وعيده حتى انقض على شعر ابنته يقبض عليه بقسوة، رافعاً إياها عن الأرض رغماً عنها، وصاح في وجهها مستنكراً:
"مسحتِ إيه من الموبايل يا بت لما صافي عملت الحوار ده عليا؟"
تعلثمت ندى وحاولت جاهدة أن تنطق ببنت شفة، بيد أن الرعب الخالص تملكها حين اهتز الهاتف في يدها برنين رسالة وافدة من أمير في تلك اللحظة الحرجة، فارتجف جسدها ذعراً وخرج صوتها واهناً:
"ممسحتش حاجة."
سحلها خلفه بلا رحمة حتى بلغا حافة الفراش، وبيده اليسرى انتزع الهاتف وفتح الرسالة يلتهم كلماتها، فكانت الفجيعة التي ألجمت ألسنة الحاضرين؛ إذ كان نصها:
"مسحتِ الرسائل والصور، بس لسه صورك عندي."
لطمت ورد على خديها مولولة فزعاً من ردة فعل صخر الجنونية؛ إذ قذف بالهاتف أرضاً بكل قوته، ثم قبض على رأس ندى واصطدم به في حديد السرير ضربة مروعة كادت تذهب بوعيها. هدر فيها وهو يلهث غضباً:
"اسمه إيه وماشية معاه من أمتى؟"
حاولت واهنة أن تدفع التهمة عن نفسها، فما كان منه إلا أن كرر صدم رأسها بحديد السرير بقسوة أشد. وأمام هذا المشهد الدامي، تحرك الجد الحاج صالح مندفعاً بدافع الأبوة والشفقة ليخلص حفيدته من بين يدي والدها وصاح مستنجداً:
"خلاص هتموتها في إيديك!"
إلا أن شقيقيها، ليل وزين، اعترضا طريق جدهما وحالا بينه وبين التدخل لحماية أختهما، وقالا بنبرة حاسمة يملؤها الجفاء:
"خليه يربيها."
زمجر صخر كالأسد الجريح، والشرر يتطاير من عينيه، وهو يصب جام غضبه على ابنته تارة وعلى الحاضرين تارة أخرى:
"عايزة تركّبنا قرون؟! ماشية معاه ومسحتِ الصور والرسائل وبيهددك؟ لو ردت عليه هبقى ركبت قرون، لكن اللي عنده معزة يلمها!"
ثم هبط بضربة أخيرة قاضية على رأسها، ليتهاوى جسد ندى وتغط في غيبوبة كاملة عن الوعي.
عندئذٍ، لم يطق الجدان، الحاج صالح والحاجة فاطمة، صبراً على رؤية حفيدتهما تسقط هكذا، فاندفعا بقوة يزيحان يد صخر عنها، وانحنيا فوق جسدها الهامد يحاولان إفاقتها ونثر مشاعر الشفقة عليها، بينما وقف الولدان، زين وليل، إلى جوار والدهما صخر الذي استدار مغادراً الغرفة وعقله يغلي كالمرجل، قابضاً على هاتف ابنته ندى يقلب الأفكار ويمهد السبل لكيفية إيقاع ذلك الماكر في شباك حتفه.
وفي شطر آخر من المدينة، كانت خيوط الأقدار تنسج فصلاً جديداً؛ حيث كان يوسف يقود سيارته بوقار، وإلى جواره زوجته "لميس" بتلك الملامح والأفكار الأوروبية المتحررة. وفي برهة خاطفة حُجبت فيها الرؤية واختلت الموازين، اصطدمت بسيارتهما سيارة فارهة كانت تنطلق بسرعة جنونية طائشة.. ويبدو أن فخ صخر قد شُدّت حباله بنجاح، وأن أمير قد ساقته قدماه إلى الهلاك طوعاً.
انفجر الصمت في جوف الليل معلنًا عن بداية فاجعة؛ صرخت لميس بصوت ملؤه الرعب والارتجاف حين التفتت لتجد يوسف، وقد تهاوى رأسه فوق مقود السيارة، يئن تحت وطأة الدماء وينادع الموت في لحظات ثقيلة حرجة.
ارتجفت يداها وهي ترفع رأسه بكفيها، تحاول تثبيته وتتبين أنفاسه الغائبة، ونادته للمرة الثانية بقلب ينفطر:
"يوسف!"
لم تتلقَّ إجابة، فصرخت مجددًا وعيناها تفيضان بالدموع:
"يوسف رد عليا!"
أدركت أن كل محاولاتها هنا ستبوء بالفشل واليأس، فاندفعت تفتح باب السيارة بكل ما أوتيت من قوة، وخرجت إلى قارعة الطريق المظلم تبحث عن طوق نجاة أو مساعدة تنقذ زوجها. راحت تلوح بكفيها يمنة ويسرة، في رجاء يائس بأن يتوقف أحد من المارة أو أصحاب السيارات المسرعة، لكن الطريق بدا موحشاً وقاسياً لا يسمع نحيبها.
عادت إليه أدراجها يمزقها الفزع، حاولت فتح الباب المقابل له لانتشاله، إلا أنها اصطدمت بمقود السيارة والمقعد الذي تحرك بقوة جراء الصدمة العنيفة وارتد كأنه حابس للأنفاس. لفت بجسدها الصغير الضئيل وعادت لتدخل السيارة مرة أخرى من جانبها، متكئة عليه وتدفعه بجسدها محاولة إيجاد مخرج وهي تصيح:
"يوسف حاول تخرج من عندي!"
تحرك يوسف بتثاقل شديد، ورفع رأسه بتعب مضنٍ، بينما غطت الكدمات والدماء ملامح وجهه من أثر الحادث الأليم، وقال بنبرة متهدجة واهنة:
"الكرسي قفل علي رجلي مش قادر احركها."
لم تستسلم لميس؛ حاولت مرة بعد مرة، تجذب المقعد بكل قوتها لكن دون جدوى. وفي لحظة إلهام وتحت وطأة الأدرينالين الخالص، وضعت كفيها حول رافعة المقعد وناقل الحركة (الفتيس) بحركة ماهرة وسريعة، فانفكت العقدة واندفع الكرسي للخارج بقوة، لتتحرر قدماه أخيرًا من ذلك الفخ الحديدي.
لكن الكارثة الحقيقية التي لم تحسب لها حساباً ولم تكن في الحسبان، بدأت تتشكل أمام عينيها؛ إذ انتبهت إلى اندلاع النيران بضراوة من مؤخرة السيارة، لتتصاعد ألسنة اللهب محاصرة إياهما. التفتت برأسها مذعورة، فصرخت بأعلى صوتها تتحدى الموت:
"هخرجك!"
لفت كفيها حول خصره بإحكام، وبأصابع ترتجف خلعت حزام الأمان، ثم راحت تحرك جسده الثقيل مرة بعد مرة، وجسدها يئن تحت وطأته، فصرخت مستنجدة به وبقواه الخائرة:
"ساعدني يا يوسف!"
لكنه كان قد غاب عن الوعي تماماً واستسلم لظلام الإغماء. لم تيأس، وراحت تجر جسده بكل ما تملك من عزم ناحية الباب الآخر الذي كانت تجلس بجانبه، حتى تدلى جسده إلى الخارج أخيراً. كان وزنه أثقل بكثير من جسدها النحيل، فزفرت بقوة وتنفست الصعداء، لتطلق في النهاية صرخة نصر ممزوجة بالدموع.. لقد نجحت بالفعل في إخراجه من جوف الموت.
ألقت بجسده على الأرض وابتعدت به أمتاراً قليلة وهي تلهث، ولم يكن هناك متسع للتقاط الأنفاس؛ إذ كان الصوت الوحيد والمدوي الذي شق سكون الليل، وجعل يوسف يعود إلى وعيه فجأة ويفتح عينيه بذعر، هو دوي انفجار السيارة وتحولها إلى كتلة من الجحيم.
نهاية الليلة السابعة عشرة
#رواية_حارة_العاشقين
#روايات_انستقرام
#روايات_واتباد
#روايات_تيك_توك
#روايات_يوتيوب