رواية حارة العاشقين الليلة الحادية عشرة

رواية حارة العاشقين: الليلة الحادية عشرة من سلسلة "حكايات ألف ليلة وليلة" علي بابا والأربعين حرامي ج١
ارتدت خطوات «سليم» صدىً مألوفاً وهو يعود إلى مكتب وكيل النيابة. وقف أمامه، وعيناه تقرآن ملامح الآخر بنفاد صبر متبادل؛ فكلا الرجلين لا يطيق للآخر حضوراً، بيد أن الضرورة تفرض أحكامها. انحنى سليم قليلاً، وقال بنبرة غلفتها المخاتلة:
«عاصي باشا... أستأذنك نحل الموضوع الصفحة وُدّيّ، بحق العشرة اللي بينا».
تابع سليم باسطاً خيوط روايته:
 «لميس بنت عمي ويوسف يبقي خطيبها، و وجوده في البار كان بدافع الغيرة على خطيبته اللي استدراجها صاحبتها علشان تضيع شرفها».
عند هذه الكلمة، جحظت عينا الصديقة المقربة بذهول وصدمة، وحاولت الذود عن نفسها لاهثة:«محصلش ده بيكدب!».
تحولّت نظرات وكيل النيابة الصارمة نحو «لميس»، التي كانت تقضم أظافرها في توتر جليّ يكاد يمزقها، وسألها بنبرة حاسمة كشفرة السيف: «لميس صحيح صاحبتك تآمرتك عليك؟».
ساد صمت ثقيل، وتبادلت الأعين نظرات حائرة وقلقة بين لميس، ويوسف، وسليم، وتلك الصديقة الخائنة. في تلك اللحظة الحرجة، أدركت لميس أنه لا مفر من التضحية؛ تضحية بصديقة العمر لتفتدي ابن عمها الذي تلوثت سمعته بسبيل إنقاذها. فقالت بصوت متحشرج ولكنه قاطع:«يوسف ابن عمي وخطيبي... و ملوش علاقة باتفاقها مع المرافق».
ارتسمت على شفتي سليم ابتسامة خبيثة وهو يغمز للميس بطرف عينه، في حين تبادل يوسف والصديقة نظرات مذهولة؛ فلأيام خلت كانت الصديقة هي من تلصق التهمة بيوسف، والآن باتت هي المتهمة الأولى والمحرضة على هتك عرض قاصر.
تنفس يوسف الصعداء، وشعر وكأن قيداً ثقيلاً هَوى عن صدره حين جرى صوت وكيل النيابة آمراً:
 «يتم إخلاء سبيل المتهم من سراي النيابة».
«الحمد لله»... همس بها يوسف في سره. لم يكن يعنيه ما سيلحق بتلك الصديقة الخائنة من عقاب، بل إن كل ما التقطه سمعه هو جملة واحدة: يتم  حجز المتهمة أربعة أيام على ذمة التحقيق».
ابتسم سليم بخبث تلوح في أفق عينيه معرفته بخبايا القانون، وتمتم مخفضاً صوته:
 «وهيُتجدد الحبس أربعة أيام إستمرار»
التفت سليم بعدئذٍ إلى وكيل النيابة، مغيراً دفة الحديث بذكاء:«عاصي باشا... البقاء لله عرفت بخبر وفاة ابن عمك و مع ذلك معاليك ما تاخرتش و أنا بستأذنك نقفل الموضوع و نكتب الكتاب في مكتبك علشان نتشرف بك».
أطرق «عاصي» رأسه إلى الأسفل هازاً إياه؛ فهو يعلم يقيناً ما يبطن سليم من مكر وخطط ملتوية. ثم انحنى نحو أذنه هامساً بنبرة تهكمية:«سليم إحنا دفنينه سوا!».
كتم سليم ضحكة كادت تفر من بين شفتيه، وقال:«اعتبر ده موافقة أنك تشهد على كتب الكتاب؟».
فكّ عاصي أزرار سترته الرسمية، وجلس مسترخياً على مقعده الوثير، وهو يعلم أن هذا المحامي البارع يملك من الطرق الملتوية وثغرات القانون ما يكفي لتهريب أعتى المجرمين. وقال بابتسامة ساخرة:
«سليم مش قادر تنسي أنك حلانجي الدفعة».
رفع سليم حاجبيه بزهو ساخر، ورد بنبرة حملت عتباً قديماً:«"حلانجي" الدفعة كان الأول على الدفعة...».
قاطعه عاصي بابتسامة متهكمة ليذكره بصفحة من الماضي:«تصرفك كان غلط و متسرع لما كسرت طقم سنان سيف».
تهكم سليم هازاً كتفيه:«ابن معيد الكلية كان فاشل و صايع».
هكذا، وفجأة، تحولت أجواء العداوة والبغضاء المشحونة إلى جلسة دردشة واستعادة ذكريات. سأله سليم فجأة:«متعرفش أخبار سيف أيه؟».
زمّ عاصي شفتيه، وأجاب بما تناهى إلى علمه من أخبار:«كل ما أعرفه عنه أنه خطب بنت كريم الجبالي».
وقعت الجملة كالقنبلة المدوية على مسامع سليم، وزلزلت كيانه. لمح عاصي هذا الذهول، فسأله مستغرباً:«هو أنت متعرفش أنه خطب بنت عمك؟».
تسمرت عينا سليم في الفراغ، وبدأت أصابعه تنقر بقلم رصاص فوق سطح المكتب الخشبي بنبرات متسارعة، تمتم بمرارة:«عرفت منك».
مرت دقائق معدودات، قبل أن يدلف العسكري ملقياً التحية العسكرية بصرامة:
«عاصي باشا... المأذون منتظر معاليك برة».
ارتشف عاصي جرعة من فنجان قهوته، وأمر قائلاً:«دخله يا عسكري خميس... وخلي صخر الجبالي يدخل معاه».
في هذه الأثناء، وداخل ردهات الفندق، كانت «مياسين» تذرع الغرفة جيئة وذهاباً، تترقب بقلق هاتفاً من «صخر» يثلج صدرها. وما إن رن الهاتف حتى ضغطت زر الرد لاهثة:
«ايه الأخبار؟».
أجابها صخر بصوت يثقله الإعياء والهمّ:
«هما عند وكيل النيابة... صاحبتها شهدت على يوسف».
شعرت مياسين بخجل شديد، وبادرت بالاعتذار نيابة عن ابنتها وتلك الصديقة الطائشة:
«حقك عليّ يا معلم صخر... أنا هاجي القسم واشهد معاه».
بيد أن صخر استوقفها بصرامة حانية، طالباً منها ألا تقحم نفسها:
«لأ مش عايزاك تدخلي عايزاك تلم حاجتكم و تروحي للحاج صالح تقولي له بيقولك صخر هات مفتاح الشقة».

وفي تلك اللحظة، توقف العسكري أمامه ليبلغه رسالة وكيل النيابة:
 «صخر الجبالي... عاصي باشا أمر يشوفك».
أنهى صخر مكالمته مع مياسين على عجَل، قائلاً كلمته الأخيرة:
 «مياسين لما تبقوا في العمارة هبقي مطمن عليكم».
وافقت مياسين علي طلبه:
 «حاضر يا معلم صخر اللي تأمر به».
أنهى صخر مكالمته الهاتفية مع مياسين، وفي تلك اللحظة عصف بذهنه خاطر مريب؛ إذ لم يكن أحدٌ على دراية بأمر توجهه إلى الفندق سوى مياسين، ولكن ما مصلحتها في السعي للخلاص منه وهي التي لم يمد إليها يدًا إلا بالمعروف ولم يرجُ من ورائه إلا ستر ابنتها؟ ثمة يد خفية إذن تحرك خيوط المؤامرة خلف ظهره في عتمة الظلام. رفع حاجبه الأيمن بذهول، وتمتم بتخبط مشوب بالشك:
«كمال!».
لقد حفر الرجل قبره بيده؛ إذ أراد كمال بنذالته أن يشيع نبأ سقوطه في مستنقع الرذيلة، وأن يراه مكبلاً بالعار تحت وطأة تهمة مخلة بالآداب.
حين دلف صخر غياهب مكتب وكيل النيابة، كان الشحوب قد ارتسم على وجهه المخطوف، فلم يلتفت بنظرة واحدة نحو نجله يوسف ولا نحو لميس، بل جمدت عيناه على ولده الآخر «سليم». بلمحة خاطفة فهم سليم أن جعبة والده تحوي سراً دفيناً سيطلع عليه لاحقاً، فهز رأسه مستفهماً، فما كان من صخر إلا أن بادله الهزّة وعيناه تفيضان بأسرارٍ مكتومة.
«عاصي باشا وافق أننا نكتب كتاب يوسف و لميس في مكتبه».
عند سماع تلك الكلمات، رفع صخر رأسه مبهوتاً؛ فلم يكن يعلم شيئاً عن المكيدة القانونية التي دبرها سليم لينقذ بها شقيقه من هذا المأزق. التفت صخر بنظراته نحو نجله يوسف وابنة شقيقه لميس، وكانت عيونهما تفصح عن كل مستور؛ فنظراتهما المتبادلة تشي بنفور عميق، وكأن كل طرف لا يطيق للآخر حضوراً، بيد أنهما باتا مجبرين على تجرع كأس هذه الزيجة، كسبيل وحيد للإفلات من غياهب قسم الشرطة.
-
دوى قرع خفيف على الباب، فانتفضت كارين مدعورة؛ وتملكها خوف جارف من أن يكون صخر أو الحاج صالح قد أتيا لانتزاع رضيعها من بين يديها وإرغامها على العودة قسراً إلى بيت الجبالي. ضمت وليدها إلى صدرها بجزع، ورمقت ابنتيها بنظرات ملؤها الرعب.
هنا آتي صوت كمال من خلف الباب مهدئاً:
 «مدام كارين أنا كمال افتحي الباب متخافيش».
تنفس الصعداء أخيراً بعد أن أيقنت أن القادم هو محامي العائلة الذي جاء ليطمئن على أحوالهن. فتحت الباب و مدت يدها اليمني بمودة:«اتفضل يا أستاذ كمال».
دلف كمال وهو ينفش جسده كالدجاجة زاهياً، يلوح بكفيه الممسكين بحقائب بلاستيكية، ثم وضعها فوق سطح طاولة الطعام. سألته كارين بفضول: «أيه الكياس دي؟».
التفت إليها كمال بارتياح، مظهراً ملامح المنقذ الذي يرتدي ثوب البطولة:
 «مدام كارين صخر طلب مني اجمد حساباتكم في البنك وأنا فاهم الظروف».
استنكرت كارين قوله، وجاء سؤالها مشوباً بالقلق: «وأنت عملت أيه وافقت على كلامه؟».
فما كان من كمال إلا أن ألقى بورقته الرابحة في خبث: «مدام كارين مش عايزاك تدخلي نفسك في صراعات و قضايا لو استأذنك تعملي لي توكيل».
في تلك اللحظة، نفد صبر صافي وخرجت عن طورها تماماً، وانتفضت بداخلها المحامية الشرسة المدافعة عن حقوق عائلتها، وصاحت بنبرة حادة:«توكيل بأيه يا أستاذ كمال؟».
توجس كمال خيفة وشعر أن حيلته الدنيئة أوشكت على الانكشاف أمام بصيرتها، فراح يذود عن نفسه بطريقته الخبيثة المعهودة:
 «أنت قصدك أيه أن هسرقكم؟».
لم تتردد صافي؛ بل لملمت الأكياس البلاستيكية التي جلبها ودفعوا بها نحو يديه جافية، في حين حاولت كارين تهدئة روعها قائلة:
ش «صافي مينفعش اللي بتعملي أستاذ كمال عايز يساعدنا».
شرعت صافي باب الشقة على مصراعيه، ولوحت بكفها الأيمن آمرة إياه بالرحيل:
 «وأنت تفرق عنهم أيه؟».
وما إن خرج كمال يجر أذيال الخيبة حاملاً بين يديه أكياسه، حتى أغلقت صافي الباب بقوة. هنا انفجرت كارين غاضبة في وجه ابنتها:
 «أنت أيه معندكيش تمييز الرجل عايز يساعدنا!».
نهاية الليلة الحادية عشرة
#رواية_حارة_العاشقين 
#روايات_انستقرام 
#روايات_واتباد 
#روايات_تيك_توك 
#روايات_يوتيوب