رواية حارة العاشقين:الليلة الرابعة عشرة
من سلسلة "حكايات ألف ليلة وليلة" علي بابا والأربعين حرامي ج١
عادت "كارين" إلى دارها تجرّ أذيال خيبةٍ مريرة؛ فقد ارتدّت سهامها في معركة المجوهرات خائبة، ولم يكن ذلك فحسب، بل إن ضغثاً على إبالة قد نزل بساحتها؛ إذ لاحقتْها غائلة قضية الوصاية على طفلها الرضيع.
بادرتها "جيهان" بسؤالٍ يملؤه التوجس:
«عملت أيه؟»
تهكّمت "كارين" على مآل حالها، ونطق لسانها بمرارة:
«لازم فواتير تثبت أن المجوهرات ملك ليا»
ثم تهاوت فوق مقعدها، وأسندت رأسها المثقل بالهموم إلى مسنده، وتابعت بنبرة مخنوقة:
«عمك رفع قضية الوصاية هياخد مني كريم"!»
هنا انبرت "صافي" كقذيفةٍ مدوية صائحة:
«مش من حقه!»
لم تجبها كارين، بل دنت من رضيعها، ورفعته بين ذراعيها بحنوٍّ بالِغ، ثم التفتت إليهما ببلادة مَن استسلم للمقادير، وأمرتهما بالرحيل:
«جهزوا نفسكم هتروحوا بيت "الجبالي"».
ارتفع صراخ "جيهان" بالرفض القاطع:
«لا! مش عايزة أعيش هناك!»
فجاءها ردّ "كارين" قاطعاً صارماً لا رجعة فيه، وقد تعاظم الذهول على ملامح الفتاتين:
«هتروحوا غصب عنكم علشان أخوكم محتاجة رعاية».
حارت الفتاتان، وسألتا بنبرة ملؤها التوجس:
«وأنت مش هتيجي معانا؟»
استرسلت "كارين" وهي تدمج رضيعها في صدرها احتضاناً ستبقى هي.. فما لها في كنف "الجبالي" من موطئ قدم أنتنّ حفيداته، ولهنّ حق الرعاية والمأكل والمشرب، أما هي فما عُدت تقوى على كفايتكنّ شيئاً.. هذا الصغير يتلمظ لبناً ودثاراً، وهي لا تجد ما يسدّ رمقها:
«أهم حاجة تاخدوا بالكم من كريم و ميراثكم ده من حقكم»
ولما همّت "صافي" بالاعتراض والاحتجاج، اشرأبّت "كارين" وصرخت في وجهها ملتاعة أما من رحمة في قلبها؟ ألا تشعر؟! تقول لها إنني مهما نأيتُ وهربت، فإن المحكمة ستسوق "كريم" إليهم طوعاً أو كرهاً، وسيكون مآلي غياهب السجن!:
«عمك هو بيحرك جدك بيسمع كلامه في كل حاجة»
جهشت "جيهان" بالبكاء وهي تتأمل تقاسيم وجه والدتها المنهكة، وسألتها بنحيب:
«هتعيشي لوحدك إزاي؟»
مدت "كارين" يديها بالطفل نحو "جيهان" قائلة:
«اهم حاجة كريم؟»
احتضنت "جيهان" شقيقها الرضيع، وخطت نحو الباب وهي تنتعل حذاءها، بينما وقفت "صافي" تشحذ في صدرها نصال الوعيد، مقسمةً أن تثأر لأمها المستضعفة. رفعت الحقيبتين بيديها، وألقت نظرة الوداع الأخيرة:
«هتصل بك لما نوصل».
مسحت "كارين" مآقيها وهي تشيّع طفلها بنظرة أخيرة، ثم أغلقت الباب خلف بناتها، وهمست بحزنٍ دفين:
«هناك هكون مطمنة عليه».
-شقة عائلة الجبالي
سدّدت "مياسين" أولى قذائفها قائلة بصلف:
«انا هرجع لندن جدتكم محتاجة رعاية وأنتم هتفضلوا هنا في بيت الجبالي».
وحين حاولت "سارة" الاعتراض، جبهتها أمها بغلظة آمرة إياها بالخفوت:
«وطي صوتك في وجود جدك».
مرّت دقائق معدودات، فسمعوا جلبة عارمة تصعد السلم؛ لقد عاد "صخر" وبنوه الأربعة. زفرت "زهرة" بضيقٍ معلنة تململها:
«ايه الدوشة و الهمجية دي؟!»
تسمّرت أقدام "صخر" وأبنائه عند عتبة الباب إثر كلمات "زهرة" اللاذعة. التفتت إليها الحاجة "فاطمة" تربت على كتفها تارة برفق، بينما انبرت "صدف" كأفعى رقطاء، فجلست على الأريكة المواجهة لها وسددت سهمها المسموم:
«وأيه كمان يا بنت كريم؟!»
كتم "صخر" ضحكةً كادت تفر من شفتيه وهو يرى "زهرة" وقد ألجمتها الصدمة من مجابهة "صدف" الحاضرة، ومضت "صدف" متهكمة:
«الهانم عايزة هدوء"!»
ثم انتفضت واقفة، وعقدت حاجبيها في جهامة وغِلظة:
«أستني لما نبني لك قصر!»
وهنا لمحت الحاجة "فاطمة" حرج "مياسين"، فنهرت "صدف" قائلة:
«كفاية يا صدف!»
وفي تلك اللحظة الحرجة، دلفت "صافي" و"جيهان" لتزيدا الموقف اشتعالاً وتوتراً.
وقعت المفاجأة كالصاعقة على الحضور؛ "صافي" تنوء بحمل الحقائب، و"جيهان" تطوّق الذبيح الصغير بين ذراعيها.. ولكن أين الأم؟
تقدمت الحاجة "فاطمة" مرحبة بوجل:
«تعالوا اتفضلوا آمال فين كارين"؟»
ألقت "صافي" الحقائب على الأرض بعنف، وفجّرت المفاجأة في وجوههم:
«هتفضل في الفيلا لوحدها مش أهم حاجة عندكم كريم؟!»
ارتسم الوجوم والذهول على الوجوه، وكان "صخر" أشدهم صدمة وتوجساً؛ فما عساها تمكر هذه المرأة؟
سألت الحاجة "فاطمة" مستنكرة:
«وليه تفضل لوحدها أهلا وسهلا بها؟»
تهكّمت "صافي" في مرارة، وصوّبت نظراتها الحارقة نحو عمّها الذي تبدّلت سحنة وجهه، وقالت توبّخه:
«اللي كنت عايزه حصل قطعت المياه و الكهربا و جمدت حساباتها في البنك .. أخدت منها كريم بالوصاية!»
-
أغلقت جميع الأبواب في وجهها،فتكاثرت الديون عليها كوحوشٍ كاسرة تنهش ما تبقى من روحها،بين ليلة وضحاها،انقلبت حياتها رأسًا على عقب،سُحقت أحلامها تحت وطأة الواقع القاسي.ها هي تجلس في عتمة الغرفة، تتكور على نفسها كطفلة ضائعة. ارتجفت أوصالها حين غمرها الصمت الموحش، لا كهرباء تنير، ولا ماء يروي، ولا حساب في البنك يطمئنها. همست بشفتيها المرتعشتين وكأنها تعلن انهيار عالمها: «كده أحسن هيعيش مستريح معاهم».
تسارعت أنفاسها،وارتعشت أكثر حين انعكس ظل غامض على الحائط،يتراقص مع وهج الحطب المشتعل في المدفأة.ارتفع صوت الحريق الخشبي من المِدفأة الحطبية
كأنّه يتهامس معها،فصرخت بخوفٍ مكتوم:
«مين؟!»
تلفّتت حولها،قلبها يخبط كطائرٍ محبوس،ثم أغمضت عينيها لحظةً وهي تهمس لنفسها
ربما أوهام،ربما الخوف يصنع أشباحه
لكن الظل ظلّ يراقص الجدار، يضاعف ارتجافها، ويجعلها أسيرة حوارٍ داخلي بين عقلٍ يطلب منها الهدوء، وقلبٍ يصرخ بالرهبة غلبها التعب حتى أوهن عظامها، فطأطأت رأسها باستسلام مرير، دموع اليأس بللت ملامح وجهها الحزين، تتسرب حارقة كجمرٍ يشتعل في قلبها،لم يكن يتبقى لها سوى خيط رفيع من الأمل، خيطٌ كانت تتشبث به بكل ما أوتيت من قوة، حتى وإن كان هشًا:«إزاي فكرت أبعده عني»
تغرغرت عينا "كارين" بالدموع الساخنة وهي تطوق بين كفيها المرتعشتين ثياب رضيعها الصغير، وتضمها إلى صدرها لعلها تستنشق فيها بقايا عِطره الفطري؛ لقد جفّت في عينيها المآقي وهي تتجرع مرارة ذلك القرار النحرير، إذ آثرت النأي والابتعاد عنه، لتفتدي بقلبها المنفطر مستقبلًا أفضل تؤمّن به عيشه في كنف عشيرته،نظرت حولها فما أبصرت إلا فراغًا موحشًا، وظلامًا دامسًا يضرب بأطنابه في أرجاء الشقة القفر. لم تجدِ بأسًا في أن تعترف لنفسها بخلجات الرعب التي تنهش صدرها؛ فالظلمة باغتتها بعد أن نزل بها حقد شقيق زوجها المتوفى، بجريرة العوز حين قرصها الجوع قرصًا شديدًا، فارتادت بعينيها نحو البراد فلم تجده إلا جوفًا خاويًا، واستبدت بها قشعريرة البرد لزمهريرٍ قارسٍ يتدفق من وراء الشرفات،وفجأة، لمحت خيالًا غامضًا يتمطى كالظل على الجدران، فاستحوذ عليها القلق، وتوجس قلبها خيفة، فنبست بصوت خافتٍ متهدج:«مَين برة؟»
في تلك اللحظة، لوّح "صخر" بهاتفه المحمول، فانبعث من وراء شاشته شعاعٌ ضوئي صقيل، بدّد عتمة المكان وكشف عن قناع وجهه الصارم،مسحت "كارين" كبرياء دموعها بكفيها، وسرعان ما غلّفت ضعفها بغلافٍ من التهكم المرير على مآل حالها، وقالت بنبرة حادة:
«عايز أيه ثاني و دخلت الفيلا إزاي؟»
كان السؤال يقرع صدره، بل حقيقة الأمر أن "صخر" نفسه لم يكن يدري للرّحيل دافعًا، ولا يعلم ما هي الأسباب الخفية التي ساقته إلى محرابها في هذه الساعة المتأخرة من الليل.
تنهد بمرارةٍ تفيض بالكمد، ومضى يخطو بوقارٍ متثاقل حتى جلس على المقعد المقابل لها، بينما انزوت هي على الطارف، جاثيةً على الأرض بإنكسارٍ مَهيب. وفي هذا السكون المطبق، انبعث صوته رخيًّا يملؤه الوجع، ويحمل بين طياته زفرات ألمٍ دفين.. ألمٌ غامض سرعان ما انتبه إليه، فتبدّلت نبرته في لحظةٍ واحدة؛ إذ شمخت كبرياؤه وترفّع بعزةٍ صلبة، كارهًا أن تلمح في عينيه خلّة من خلل الضعف، أو بادرةً من بوادر الانكسار..
في تلك اللحظة، رفعت عينيها إليه، وبدلًا من اليأس الذي كان يملأهما، لاح بريقٌ خافت من الخبث ،همست كلماتها بصعوبة، وكأن كل حرفٍ يمزق أحشائها.أطلق صخر تنهيدة طويلة،عميقة،كأنها تعلن عن مدى استيائه، ليس منها، بل من قسوة العالم الذي يحيط بهما.اقترب منها ببطء، وفي تلك اللحظة، شعرت كارين بكفيه المرتجفين يمسحان دموعها اليائسة، لم يكن المسح مجرد لمسة عابرة، بل كان حديث غير منطوق بأنها ليست وحدها في هذا الظلام الدامس. رفعت كارين نظرها إليه، التقت عيناهما في صمتٍ يحمل أعمق الكلمات، تحدٍ جريء للصعاب، ووعدٌ بالصمود ها هي اللحظة التي تقاطعت فيها طرقهما، كأن القدر أراد أن يضعهما وجهاً لوجه في امتحان جديد،صخر بعينيه المتقدتين،اقترب منها بصوتٍ خافت لكنه حاد، كأنه يطرق أبواب قلبها المغلق:«مرجعتيش ليه مع بناتك».
كأنها تبحث عن مهرب في عقارب الوقت
محاولة أن تُخفي ارتباكها خلف انشغالٍ مصطنع:«انتم أهم حاجة عندكم كريم معتقدش أن فارقة معاكم بالعكس الميراث و ولاد أخوك بقوا ملكك لك».
لكن صخر لم يتراجع، بل ألقى بكلماته كرصاصةٍ مباشرة في صدرها:
«وانت هتفضلي كده».
أطلقت نظرةً متكبرة تحمل خليطاً من الكبرياء والإنكار: «انا مش عايزة حاجة منكم اللي كانوا ربطني بيكم خلاص رجعوا لكم؟».
ابتسم ابتسامةً باهتة، ثم مال برأسه قليلاً وهو يعلن خطته ببرودٍ محسوب:
«و لو عرضت عليك النسب هتوافقي».
ارتجفت أنفاسها، وضعت خصلات شعرها خلف أذنها محاولةً أن تستعيد توازنها، ثم حركت جسدها لتصعد فوق الكرسي الهزاز وهي تهمس بسخريةٍ ممزوجة بالخذلان:
«قصدك جيهان».
اقترب أكثر، أنزل رأسه إلى مستوي جلستها، فالتقت عيناه بعينيها في لحظةٍ مشحونة بالحيرة والاحتمالات: «صافي هاخدها لسليم».
هنا توقفت يدها عن حركة الكرسي الهزاز، كأن الزمن تجمد للحظة. كان العرض أمامها أشبه بطوق نجاة، لكنها تعلم أن قبول المال من غريب يعني انكساراً لا يُحتمل، وأن كشف ضائقتها أمام الناس سيجعلها مادةً للشماتة. رفعت رأسها أخيراً، وصوتها يخرج متردداً لكنه حاسم: «لكن صافي مخطوبة».
أومأ صخر برأسه، ثم ابتسم ابتسامةً ساخرة وهو يغمغم:«دي جوازة مصلحة».
شعرت أن سخريته تكشف هشاشتها، وأنه يعرّي خوفها من حديث العائلة حاولت أن تدافع عن نفسها، لكن كلماته خرجت تحمل الثقة: «لو وافقت على جوازة صافي و سليم هتنازل عن وصية كريم».
ارتعشت أهدابها، التفتت برأسها يميناً لتواجهه بعينيه، كأنها تستجديه أن يرحم ضعفها ..
نهاية الليلة الرابعة عشرة
#رواية_حارة_العاشقين
#روايات_انستقرام
#روايات_واتباد
#روايات_تيك_توك
#روايات_يوتيوب