رواية حارة العاشقين الليلة الخامسة و العشرين


​رواية حارة العاشقين :​الليلة الخامسة والعشرون من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا و الأربعين حـرامي ج١ 
​في تلك البقعة المظلمة الخانقة من قبو البناية المهجورة، كانت أضواء المصابيح الخافتة تسقط على حلبة الملاكمة لتكشف عن وجهين يتصببان عرقاً وصديداً. وقفت أنظار صخر الصغير تثبت على الخصم الأضخم المنتصب أمامه؛ لم يكن الخصم يقل عنه قوة ولا قسوة، بل كان جسداً مدججاً بالعضلات والندوب التي تشهد على حروب الشوارع..
​على جانب الحلبة، كانت هناك امرأة من صاحبات النفوذ في عالم المراهنات المشبوه، تتكئ على مقعدها المخملي، تتفحص ببرود ونظرات جائعة جسده الرياضي المتناسق ونسيج عضلاته المشدودة مع كل حركة، دون أن تعنيها صرخات الجماهير الثائرة التي تراهن على دمائه..
قرب الزاوية، كان شلبي يضغط على زجاجة بلاستيكية صغيرة، يمد يده عبر الأحبال بقرص مسكن ملون وهو يهمس بفرائص ترتعد:
"المدام بعت لك الهدية دي و مستنية بعد الماتش!" 
نظرات صخر الصغير جمدت على شلبي، ثم امتدت يده ليدفع يد شلبي بعنف مقزز، رافضاً تناول القرص،كان يريد أن يشعر بكل لكمة تخترق أضلاعه، يريد أن يتغذى على الألم كأنه يثأر من كل لحظة قسوة تجرعها في حياته منذ ألقي به في هذا العالم..
​دوت صفارة بداية الجولة، وانقض الخصم عليه بلكمة متتالية هزت فكه وأراقت الدماء من شفته،سقط صخر على ركبتيه، والوجع يتردد في صدغيه، وفي تلك اللحظة التي اختلطت فيها دماؤه بالتراب، ارتدت ذاكرته رغماً عنه إلى الوجه الوحيد الذي حمل له شيئاً من الرحمة..
وجه الدكتورة ياسمين لحظة دخولها دار الأيتام لأول مرة، ونظرتها التي لم تكن تحمل شفقته المعتادة بل اهتماماً دافئاً أربك حصونه.
​وفي نفس اللحظة،بعيداً عن القبو المظلم..
كانت الدكتورة ياسمين تجلس في مكتب مآوي الأيتام تحت ضوء مصباح مكتبها، تقلب بين يديها الملف الأصفر الخاص بـ "صخر الصغير".
كانت أصابعها تنتقل بين الصفحات المتهالكة وهي تقرأ بحسرة:
"​عدد محاولات الهروب 14 محاولة،​عدد المشاجرات 33،السلوك العنيف تجاوز 50 بلاغاً،​سجل التنقلات تم نقله بين ستة دور أيتام مختلفة عبر سنوات عمره لعدم السيطرة عليه..
​قلبت ياسمين الصفحة الأخيرة لتصل إلى الحقل المخصص لمتابعة الأقارب، لتتوقف حواسها تماماً عند الخانة المكتوبة بخط يد أحمر جاف ​عدد الزيارات 0 لا يوجد أحد ..
​انقبض قلب ياسمين وهي تتخيل حجم الحسرة والرفض الذي عاشه هذا الشاب، بينما كان صخر الصغير في القبو ينهض من على أرض الحلبة، يرفض الهزيمة المتفق عليها، ويوجه لكمة قاضية غير متوقعة لخصمه، حاطماً اتفاق شلبي مع المراهنين، ومتلقياً صرخات الذهول من الجميع! ​انتزع صخر حقيبته واندفع نحو دراجته النارية ليفر بها في ظلام الليل، مدركاً أن رجال المراهنات لن يتركوا خيانته للاتفاق تمر بسلام..

-​كان الهاتف ملتصقاً بأذنه، وصوت صديقه شكري يتردد عبر مكبر الصوت في هيئة نبرات مجلجلة:
"مختفي فين يا أبن الجبالي"
أجابه سليم بنبرة مشوبة بشرود:
"هترتاح مني يا شكري رايح الجيش"
​استقرت عينا سليم على صافي الجالسة بجواره، والتي اهتزت ساقها بتوتر ملحوظ ما إن بلغت مسامعها كلمة الجيش؛ إذ دهمتها في تلك اللحظة حقيقة واقعها المنسي، وتذكرت أنها امرأة على ذمة خطبة لرجل آخر، لاحظ سليم اضطرابها، فظن أن هواء المكيف البارد يلفح جسدها، فامتدت يده ليرفع درجة الحرارة، أدارت صافي وجهها نحو النافذة المغلقة، وهمست من بين شفتيها بضيق مكتوم:
"غبي" 
​لم تلتقط أذنه همسها، واستمر في حديثه الهاتفي قاطعاً الثرثرة:
"عايزاك تشكف لي عن أرقام عربية"
انطلقت ضحكة شكري الساخرة عبر الهاتف:
"شكلها قضية كبيرة مبروك مقدما اللي اختارك محامي له كان ليفهم" 
​سمع سليم نقرات أصابع شكري وهي تضرب على لوحة المفاتيح في نظام المرور:
"هنيجي جنبك أيه يا شكري ده أنت أستاذنا"
قبل أن يخيم صمت مفاجئ على الخط، ثم جاء صوت شكري ينطق بالاسم الظاهر على الشاشة:
"الله يعزك يا سليم ، أكتب عندك الإسم أمير محمود المصري" 
​ساد سليم صمت ثقيل داخل السيارة، وانعقدت حاجباه بتوتر ظاهر، ليعود شكري ويسأله بنبرة مستغربة:
"أمير؟ مش ده أخو عاصي المصري وكيل النيابة؟
تغيرت نبرة صوت سليم لتصبح ثقيلة كأنما تتجرع الخيبة:
"هو أخو يا شكري"
سأله شكري بنبرة شابة الشك:
هما لهم دخل في القضية اللي بتترافع فيها؟
تحشرج صوت سليم وهو يجيب:
"أخوه صدم يوسف بالعربية" 
​أغلق سليم الخط وظل شاخصاً بعينين زائغتين نحو الإسفلت الممتد، حتى شقت صافي حاجز الصمت بسؤالها المتردد:
"كلمت صاحبك في المرور؟
مرر سليم كفه على وجهه ليتخلص من ذهوله، وقال بنبرة حادة:
"أسكت شوية"
ارتفع صوتها بضيق مكتوم:
" أنا مش تحت أمرك أسكت و لا أتكلم أمتي!"
تنهد سليم وهو يحاول السيطرة على أعصابه المنفلتة:
"أنا هرجعك المستشفي علشان قلبت دماغي مش عارف أفكر بسببك"
​التفت سليم إليها، وألقى بالحقيقة الثقيلة التي كان يحاول استيعابها في صدره:
" عرفت مين اللي صدم يوسف بالعربية" 
توقف قلب صافي لبرهة، وشعرت برعدة خفيفة في صوتها وهي تسأل:
" مين؟" 
رد سليم بصوت مكتوم ممتلئ بالحسرة:
"أمير" 
لم تستوعب صافي خطورة الاسم للوهلة الأولى:
" أمير مين؟ أنت تعرفه؟؛
أغمض سليم عينيه برهة ثم فتحها وهو يشرح لها أبعاد الكارثة:
"أخو وكيل نيابة و أبن عمه رئيس مباحث قسم الشرطة اللي في الحارة"
​اتسعت عينا صافي وخيم الخوف الثقيل على وجهها، وتساءلت بصوت مرتجف:
"المفروض هما اللي يخافوا اخوهم مخبينه في المزرعة و بقالنا ٣ ساعات بنلف حوالين نفسنا و الموضوع اتحل،في واحد بعت لك فيديو الحادثة و أرقام العربية مش بغرض المساعدة و في نفس الوقت خدمك عرفك مين اللي عمل الحادثة يبقي مش فاضل غير أن نروح المكان اللي موجود في أمير"

-​وقبل أن يجيبها سليم، أضاءت كشافات السيارة على مشهد عنيف في جانب الطريق؛ كان صخر الصغير قد تعرض لـ كَمين من رجال المراهنات الذين تتبعوه بسياراتهم، وحاصروه بعد أن اختلت دراجته النارية،كان صخر يقاتل بشراسة بأيدٍ شبه مدماة، بينما ينهال عليه أربعة رجال بالهراوات والسلاسل الحديدية..
لكن سليم لم يحتمل رؤية شخص يضرب بهذا التوحش أمامه؛ أوقف السيارة فجأة، وفتح الباب،صرخت صافي وهي تمسك بذراع سليم:
"ملناش دعوة يا سليم! متتنزلش،أنت مش شايف شكلهم عامل إزاي؟ دول مجرمين!
توقفت السيارة فجأة، والتفت سليم إلى صافي ونظرة حسم وخوف شديد عليها تتملكه، ثم قال بصوت صارم مرتفع:
" هترجعي المستشفي!" 
رفضت صافي وهي ترتجف وتمسك بيده:
" مش هرجع لوحدي!"
زجرها سليم وهو يدفع يدها بلهفة وخوف أن يطالها أذى من المعتدين:
" ما تسمعي كلامي مرة!" 
انتقلت صافي إلى مقعد السائق بسرعة بجسد مرتعش، وظلت أصابعها تلف مفتاح السيارة وتضغط على دواسة البنزين بتوتر وخوف شديد عليه، بينما سحب سليم من أرضية السيارة كوريك حديدي عريض واندفع للخارج، لتنطلق صافي بالعربية مبتعدة نحو طريق المستشفى كما أمرها..
اندفع سليم بالكوريك في يده نحو حلقة القتال، وهوى بقوة على أول رجل كان يرفع سلسلة حديدية على صخر الصغير، ليتراجع الرجل متألماً، سدد سليم ضربة أخرى بالكوريك أفسحت مجالاً لصخر الصغير الذي كان يستند على جذع شجرة وهو يلهث والدماء تغطي وجهه، و الدراجة النارية الخاص به ملقية على جانبها بالقرب منهما..
زجر سليم في صخر وهو يشير نحو الدراجة النارية مع اقتراب باقي سيارات رجال المراهنات:
"أنت لسة قاعد مكانك!" 
نظر صخر الصغير إلى سليم بعينين ملؤهما الإنهاك، لكنه أدرك أن قدرته على الصمود بمفرده انتهت، وأن هذا الغريب أنقذه للتو بكوريك حديدي،بسرعة خاطفة، عدل صخر الصغير الدراجة النارية وقفز عليه مشعلاً المحرك، بينما قفز سليم خلفه متمسكاً به وبالكوريك في يده الأخرى،انطلق صخر بأقصى سرعة يمرق بين السيارات في مناورة مرعبة، بينما انطلقت سيارات المراهنين خلفهما تطاردهما في ظلام الليل نحو الإتجاه الوحيد الذي وجهه إليه سليم.. "حارة الجبالي!" 

-​خرجت كارين من غرفة الفحص بخطوات ثقيلة، لتلمح الحاجة فاطمة وهي تجلس بجوار مياسين وتتحدث معها بحفاوة..
​ابتسمت كارين بتهكم مرير، واستندت بكفها الأيمن على الجدار الفاصل؛ لقد فهمت كل شيء،تم اختيار مياسين وبناتها ليكونوا العائلة المقربة، بينما أصبحت هي الغريبة،لم تعد تبكي على زوجها المتوفي؛ لقد طعنها في ظهرها عندما تزوج في السر وأنجب ثلاث فتيات وجئن اليوم مع أمهن للمطالبة بالميراث،
​عادت ونظرت من خلف الزجاج إلى طفلها الرضيع؛ كانت تعلم تماماً أن صخر الجبالي بنفوذه سيستغل القانون ليأخذ الطفل منها بحكم الوصاية،فالقانون يمنح الأحقية للجد ثم للعم في حالة وفاة الأب، وهي أرملة لا تملك ملاذاً ولا سنداً،​كفكفت دموعها المكتومة، وتوقفت عند مكتب التمريض وقالت بصوت هادئ:
"لو سمحت عايزة قلم؟
تبسمت الممرضة ونكست رأسها وهي تناولها القلم الموجود على المكتب:
"اتفضلي" 
​أومأت كارين وشكرتها، ثم دخلت إلى الغرفة،
 تناولت الروشتة الطبية التي كتبها الطبيب، وخلعت ساعتها الجلدية الثمينة من معصمها، ووضعتها فوق الورقة،ثم كتبت بخط يدها:
​"حق الأدوية والتحاليل والأكل."
​تركت الساعة والورقة،وغادرت الغرفة،​وعندما وقفت أمام البوابة الخارجية للمستشفى، هبت برودة الأرضية المبللة بالمطر لتنبهها إلى أنها خرجت حافية القدمين، حيث لم تجد الوقت لارتداء حذاء بعد نقلها لشقيق زوجها للمشفى. تذكرت لم تكن تملك قرشاً واحداً في جيبها، قررت أن تسير حافية القدمين..

دلف الدكتور "بشر" إلى مكتبه بخطوات متزنة يكتنفها السكون، خلع سترته بهدوء واستند بجسده على الكرسي الجلد خلف مكتبه، ثم ألقى بهاتفه المحمول وحزمة من الأوراق أمامه. أدار بصره بين السطور الساكنة في جدول المواعيد الرابض على الطاولة، ينتظر الحالات المسجلة لجلسته ..
وفي تلك اللحظة ذاتها، وسط الصخب الخانق لردهة المستشفى..
كانت "صدف"  تقف شاحبة الوجه، كأنما أُفرغت دماء حواسها، ترقب بقلق ممتد باب الطوارئ وتسترق أي نبأ عن جراحات صخر ويوسف،دنوت منها ليلى، وقبضت على يدها بحنو ملحوظ وهي تهتف بنبرة منبهة:
"صدف.. عندك كشف!" 
هزت صدف رأسها بوهن قاطع، وردت بنبرة خنقتها العبرات وهي تشخص بعينيها نحو المجهول:
"أهم حاجة اطمن علي صخر و يوسف"
لم تدرِ صدف أن رفضها هذا لم يكن مجرد إلغاء لموعد طبي عابر، بل كان حائلاً بينها وبين غريب يرتب أوراق عقدتها النفسية على مسافة أحياء قليلة.. ليظل هذا اللقاء مقدر الرحم، محبوك الغيب، معلقاً على حافة قضايا الماضي التي لم تفتح أبوابها بعد! ..
-
نهاية الليلة الخامسة و العشرين