حارة العاشقين: الليلة السادسة والعشرون من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة على بابا والأربعين حرامي- ج1
أنهت «مريم» يومها المضني كبائعة ورد عند مفارق الطرق وإشارات المرور المزدحمة،رفعت كمّ كنزتها الصوفية البالية بساعدٍ مجهد، تمسح قطرات العرق التي تساقطت على جبينها إثر جهود بدنية مضنية استنفدت طاقتها، مضت تتهادى بخطى عفوية، تلوح بكفيها الناحلتين في الهواء، دون أن تدري أن ثمة عيوناً حاقدة تترصد أثرها؛ كان «باشا الصغير» يتبعها بسيارته الفارهة كأنه ظلها المظلم.
توقفت الفتاة قبالة الواجهة الزجاجية البراقة لإحدى المتاجر الشهيرة لبيع الملابس النسائية، ركن سيارته على مسافة مترصدة، يكاد يجن من فرط الغيظ؛ كانت تكبله رغبة ملحة في محاصرتها والمساومة على أخطائها، ليرغمها على الوقوف أمامه لالتقاط صور دعائية تخدم حملته الانتخابية، مقابل أن يصفح عن فعلتها النكراء حين تجرأت وكسرت فانوس سيارته، ثأراً لكبريائها الذي جرحه حين نعتها بـ "سلة قمامة طفيلية تلوث الهواء". أسند ساعده الأيسر فوق حافة النافذة المفتوحة، يرمق ساعة يده بقلة صبر؛ لقد انقضت ثلاث ساعات كاملة وهو يطوف خلف خطواها الهائمة، تحركت الفتاة خطوتين، ثم عادت وتسمرت من جديد أمام متجرٍ لبيع الأحذية الفاخرة، تنظر بذهول طفولي إلى المعروضات،
همس بينه وبين نفسه بصوت خفيض يقطر بالحنق: «يا رب صبرني!»
تحركت مريم بغتة حين دهمها قارس الجوع، متذكرة أنها لم تطعم شيئاً منذ بزوغ الفجر. قادتها خطواتها نحو كُشكٍ صغير لبيع المأكولات الخفيفة، وطلبت رقائق البطاطس المقرمشة، مدّت يدها بعفوية داخل ثنايا حمالة صدرها، واستلت الكيس القماشي المخبأ بعناية، ثم أخرجت ورقة نقدية ومدتها للبائع قائلة بثقة: «كيس شيبسي بـ 10 جنيه ليه يعني.»
حرك الشاب البائع لسانه حول شفتيه بشهوة مكشوفة، مستحسناً الملامح الغضة لتلك الصغيرة، وقال بنبرة خبيثة: «ما تيجي جوه الكشك، وتاخدي كل اللي نفسك فيه؟»
في لحظة خاطفة، ثنت مريم قدمها اليسرى فوق ركبتها اليمنى، ونزعت نعل حذائها المتهالك من قدمها، وصاحت بلسان شوارعي حاد: «فاكرني من اللي بيتزنقوا في الخرابات يا روح أمك؟!»
اتسعت عينا «باشا الصغير» بذهول وهو يراقب المشهد من سيارته. خلال ثوانٍ معدودة، اندلعت مشاجرة صاخبة، وتجمهر المارة حول الكشك، بينما صرخ البائع يستعدي الجمع عليها ليلفق لها تهمة سرقة: «البت دي حرامية! استغلت إني قاعد لوحدي وجت تمد إيدها على الدرج تسرق الفلوس!»
ارتبكت مريم وصاح صوتها يدافع عن نفسها أمام التهمة التي كادت تودي بها إلى غياهب السجن مرة أخرى: «أنا مش حرامية! هو اللي كان عايز يدخلني الكشك»
أعادت نعلها إلى الأرض، وشعرت بانسداد المنافذ حولها؛ فصغر سنها وقلة حيلتها كانا دائماً الباب المفتوح للمصائب، حاولت التملص من قبضة البائع القوية وهي تزعق: «سيب إيدي!»
رد البائع بقسوة وهو يشدها من معصمها: «مش هسيبك غير في القسم لما أثبت حقي!»
في تلك اللحظة، نزل «باشا الصغير» من سيارته بخطى متزنة وهيبة فارضة، ليحسم الموقف لصالحه حتى لا تضيع فريسته التي يترقبها لتنفيذ خطته، قال بصوت جهوري صارم: «أنا شايف إننا نروح القسم..»
التفتت مريم برأسها مذعورة، ولما أدركت وجوده، أيقنت أن شهادته ستكون القشة التي تقصم ظهرها، بينما تهللت ملامح البائع وهو يصرخ: «الله ينور عليك يا أستاذ!!»
ابتسم «باشا الصغير» بمكر وثقة حادة، وواصل حديثه موجهاً الكلام للجمع: «نروح القسم.. ونقول هناك إنك حاولت تتحرش بعيلة صغيرة! أنا اللي بعتها تشتري حاجة من الكشك عندك، وأنت استغليت عدم وجود حد وحاولت تعتدي عليها!»
الجمت الصدمة لسان البائع، وشخصت عينا مريم بذهول، سأله البائع باضطراب حاد: «وأنت مين حضرتك عشان تتبلى عليا كده؟!»
استلّ «باشا الصغير» بطاقة شخصية فاخرة من الجيب الداخلي لمعطفه الثمين، ووضعها بكبرياء فوق الواجهة الزجاجية للكشك، ثم قال بنبرة جافة تفيض بالنفوذ: «باشا السفير المصري السابق.. ومرشح عضو مجلس الشعب عن دايرة الجبالي!»
تجمعت الدماء في رأس البائع، وشعر بالرعب يتملك فرائصه، فما كان منه إلا أن تناول زجاجة مياه بلاستيكية وسكبها فوق رأسه ليطفئ نار ورطته، متراجعاً إلى الخلف بامتثال مذعور،ترك «باشا الصغير» الرجل في ذهوله، وقبض على ساعد مريم بلطفٍ آمر ومضى بها نحو سيارته،
توقفا عند الباب الأمامي، فنظرت إليه مريم بريبة وسألته: «أنت عايز مني إيه؟»
نكب الشاب عن المواربة، وقال ببرود نافذ وهو يقلب عينيه: «هقولك أنا عايز إيه لأن مليش في اللف والدوران؛ أنا مرشح نفسي لمجلس الشعب عن الدائرة الجبالي، ومحتاج أصور كام صورة مع حالات شبهك.»
حاجبت مريم عينيها وسألته باستنكارية: «شبهي إزاي يعني؟!»
سألها متجاهلاً سؤالها: «اسمك إيه؟»
عدّلت المحرمة المربوطة حول خصلات شعرها المجعدة بثبات، وقالت: «اسمي مريم.»
أدخل كفيه داخل جيوب بنطاله الفاخر، وألقى عرضه الحاسم: «هنعمل اتفاق؛ هصور معاكِ كم صورة للحملة الانتخابية، وتاخدي المبلغ اللي تطلبيه.»
لمعت عينا مريم ببريق طفولي مباغت، وقالت بجرأة: «آخد منك فلوس أشتري بيها الفستان والجزمة اللي في المحل اللي هناك ده؟»
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة لأول مرة، وسألها: «وحقهم كام؟»
ركضت الفتاة بخفة كالمهر الصغير عبر الطريق، حتى بلغت واجهة المتجر الأنيق، ووضعت كفيها بطفولية وبلاهة على الزجاج العريض قائلة: «دول غالين أوي!»
ألقى «باشا الصغير» نظرة سريعة على السعر المدون؛ لم يكن الأمر يتطلب سوى بضع أوراق مالية من فئة المائتين. أشار بإصبعه نحو الفستان والحذاء وسألها: «عايزاهم؟»
هزت رأسها بعفوية، ثم قالت بجدية حازمة: «هما غالين وعدوا الألف و نصف، لكن ده شرطي!»
أخرج محفظته الجلدية، وسحب منها رزمة أوراق نقدية ومدها إليها: «أدخلي اشتري الفستان والجزمة.»
اختطفت الأوراق من يده وسارعت تدفع الباب الزجاجي لتدخل المتجر، بينما وقف هو في الشارع يجري اتصالاً هاتفياً مع ابن عمه «حمزة». قال عبر الهاتف بثقة: «ملوش لازمة أروح الدار يا حمزة،لقيت بنت بتبيع ورد في الإشارات، اتفقت معاها تتصور معايا كام صورة وتاخد مبلغ.»
قهقه حمزة عبر الأثير وأجابه بمزاح: «بقيت خطير في التسويق وبتعلي عليا كمان!»
ابتسم «باشا الصغير»، لكن عينيه اللتين امتدتا نحو داخل المتجر لمحتا بائعة المحل تنظر إلى مريم بتقزز وازدرام شديدين، قبل أن تتجه نحو مالكة المتجر وتطالب بإخراجها: «ممنوع دخول الشحاتين هنا» ثم أومأت لحارس الأمن: «المدام بتقولك خرجها برة!»
أنهى المكالمة فوراً: «هكلمك ثاني يا حمزة.»
أعاد الهاتف إلى جيب معطفه، ودلف إلى المتجر بخطوات عاصفة، متصدياً لحارس الأمن بثبات: «محدش يقرب لها!»
هرعت مريم واختبأت خلف ظهره تحتمي به، بينما تقدمت مالكة المتجر والبائعة تسألانه باستعلاء: «وحضرتك تقرب لها إيه عشان تدافع عنه؟»
رد «باشا الصغير» بجفاف وقسوة: «وأنتِ مالك؟ هو أنتِ هتطلعي لي بطاقة؟! أنا ممكن إنهي الموضوع، وممكن أقفلك المحل ده ويتشمع بالشمع الأحمر!»
توجست مالكة المتجر خيفة من اللهجة الواثقة والهيئة الفاخرة التي يرفل فيها، فتراجعت نبرتها وقال بمداهنة: «و ليه قطع العيش، شوف الآنسة عايزة تشتري إيه وأنا تحت أمركم.»
التفت الشاب إلى الصغيرة وسألها: «هتشتري حاجة من المحل يا مريم؟»
نفضت مريم يدها وقالت بكبرياء مجروح: «أنا عايزة أخرج من المحل!»
دفعت الباب الخارجي ومضت، فتبعها «باشا الصغير» حتى وقفت بجوار السيارة
نقَرَ على جهاز التحكم عن بُعد، فانحلّت أقفالُ السيارة وانفتحت أبوابها في امتثالٍ آليّ تام،
،قال وهو يركب: «اركبي.»
استقر هو خلف عجلة القيادة، وضغط زر الأمان، فجلست في المقعد المجاور وأغلقت الباب بقوة، سألته وهي تتفحص المكان بتوجس: «إحنا رايحين فين؟»
أدار عجلة القيادة وتنهد بضيق مكتوم: «البيت عندي.»
انتفضت مريم في جلسة الصدمة وصاحت: «نعممم يا خويا؟!» ثم انهالت عليه بوابل من السباب والشتائم القاسية التي التقطتها من قاع المآوي،التفت إليها بسرعة، ووضع كفه العريض فوق شفتيها ليخمد صوتها: «بس! فرجتِ علينا الشارع!»
صارعته حتى زحزحت كفه عن وجهها، وصاحت بحنق: «قول كده بقى! دخلت في خناقة مع صاحب الكشك وقولت اشتري لها فستان عشان توافق وتيجي معايا البيت؟!»
زجرها بنبرة آمِرة: «أنت دماغك تعبانة؟!أنتِ عيلة صغيرة بالنسبة لي، واسكتي شوية علشان قلبتِ دماغي!»
سألته للمرة الثانية بريبة: «أومال رايحين البيت عندك نعمل إيه؟»
مرر كفه على وجهه ليرمم هدوءه، وقال: «هنكمل كلامنا مع مدير الحملة الانتخابية هيفهمك تصوري إزاي، وبعدها تاخدي الفلوس وتمشي لا أنا ونفسي نخلص و أخلص منك..»
ساد الصمت لبرهة، لكن توترها تجدد وهي تلمح لعبة صغيرة مبهجة معلقة في سقف السيارة، ابتسمت بعفوية، وأخذت ترفع جسدها عدة مرات تحاول الوصول إليها دون جدوى، التفتت إليه وسألته: «هو أنت عندك عيال صغيرة؟»
احتبست غصة حارقة في حنقرته، وجاء صوته مخنوقاً بالمرارة وهو يجيبها: «كان عندي بنت صغيرة..»
عادت واستقرت في جلسة الذهول، وسألته حين استشعرت نبرة الشجن في صوته: «كان عندك؟ ليه؟معقولة سافرت مع أمها وسابتك؟»
أغلق عينيه لبرهة ثم فتحها على جرحٍ غائر، ونطق بالحقيقة المرة: «ماتت هي و أمها.»
تجمدت ملامح مريم من الصدمة، وتحول كبرياؤها إلى شفقة مكتومة أمام التغير المروع في نبرة صوته، بينما رفع هو هاتفه ليجري اتصالا طارئاً مع ابن عمه «حمزة» ليداري كسرة قلبه..
-تتبعتهم «صافي» بالسيارة وعيناها تشخصان نحو ظلام الطريق بوجل، بينما أسرعت تجري اتصالاتها الهاتفية عبر هاتف «سليم» القابع فوق اللوحة الأمامية للمركبة، تفك شفيرة قلقها المتصاعد، عبر الأثير، جاء صوت «زين» يتساءل بلهفة مستنفدة: «أنت فين يا سليم؟»
أجابته صافي، ونبراتها ترتجف تحت وطأة رعبٍ جارف على سليم: «أنا صافي.. سليم بيتخانق في الشارع مع رجالة شكلهم مجرمين!»
استقر الخوف السام في صدغ «زين» على شقيقه، فسألها بنبرة عاصفة: «أنتم فين؟!»
ردت صافي وهي تضاعف من سرعة سيارتها لكي لا تفقد أثرهم في الظلام: «كان بينقذ واحد مضروب على الطريق.. و بعدها ركب وراه على الموتوسيكل وقال لي ارجعي المستشفى،أنا ومشيت وراهم بالعربية!»
صدح صوت زين بحدة وهو يجمد في مكانه: «رايحة وراهم تعملي إيه؟! وسليم فين؟!»
توقفت «نجوى» قبالة أبن ضرتها، وقد استشفت غيمة الخطر التي تحوم حول بكرها سليم، فسألته بفزعٍ أمومي: «سليم ماله؟!»
تجاهل زين إجابة زوجة والده وهو يتلقى البيان الأخير من صافي: «دخلوا حارة الجبالي، والعربيات وراهم»
التفت زين فوراً نحو شقيقيه «ليل» و«عمر»، وصاح بهما لينهضا: «سليم بيتخانق في الشارع!»
من داخل أروقة الطوارئ الخانقة، ترامى الصوت المتهدج لـ«صخر الجبالي»، متجاوزاً أنينه الذاتي: «سليم ماله؟!»
نهض صخر عن الفراش الجراحي بجسدٍ أثقلته الندوب، وشرع ينتعل حذاءه بعزمٍ مريب.. حملقت الممرضة بذهول وهرعت تحذره: «ممنوع الحركة! أنت رايح فين»
تدافع بقية أفراد العائلة داخل الغرفة للإطمئنان على صخر، فنهرهم الطبيب المعالج محاولاً احتواء الفوضى: «أنت رايح فين؟! و مين سمح لكم تدخلوا هنا»
تجاهل صخر صيحات الأطباء، وأنهى إغلاق أزرار معطفه الشتوي وهو يجاهد لإخفاء وهنه الطارئ، لتقع عيناه على باب الغرفة بجمودٍ حاسم،أوقفه والده، ممسكاً بساعده الأيمن بقوة ليمنع اندفاعه: «مينفعش تخرج!»
استرد صخر هيبته، واضعاً كفيه داخل جيوب معطفه الفاخر، وأجابه بصرامة حادة: «سليم بيتخانق لوحده في الشارع..»
شدد الحاج صالح قبضته على ساعد نجله قائلاً: «إخواته موجودين!»
رفع صخر رأسه بثبات ناري، وجاء رده كالصدمة: «ابوه لسة عايش مماتش!»
غادر صخر قسم الطوارئ بخطى وئيدة، يتبعه أبناؤه الثلاث ، حتى برزوا جميعاً أمام الواجهة الخارجية للمشفى. أسرع صخر وفتح باب السيارة، ليستقر في مقعدها الأمامي للقيادة بينما قفز أولاده الثلاثة في المقاعد الخلفية..
التفت صخر إلى ابنه زين وسأله بنبرة جافة: «مين اللي قالك إنه بيتخانق؟»
جاءت الإجابة جازمة: «صافي.. ماشية وراهم بالعربية مع أن سليم قالها ترجع المستشفي!»
استلّ صخر هاتف ابنه سليم من جيبه، وأجرى اتصالاً مباشراً مع صافي،ما إن جاءها صوته حتى سألها باقتضاب نافذ: «أنتِ فين؟»
أجابته صافي بصوتٍ يلهث: «أنا ماشية وراهم بالعربية..»
قاطعها صخر بأمرٍ حاسم لا يقبل النقاش أو التردد: «اركني العربية برة الشارع وأنزل في دواسة العربية لحد ما اجي لك»
قبل أن تنفرج الأزقة عن وجه الشارع الرئيسي، شق صمت الليل هدير محرك سيارة «صخر الجبالي» وهو يندفع كالإعصار في قلب الحارة،
نظر سليم لأبيه بدهشة الآن شعر بالذنب والده خاطر بنفسه من أجله..
لم يكتفِ صخر بالوصول، بل اخترق بمدشِة هيكله المصفح مدخل الأزقة الضيقة، ليطارد سيارات رجال المراهنات الأربعة في اقتحامٍ مرعب زلزل الإسفلت، انخلعت قلوب الرجال وهم يرون الموت يتجسد في تلك السيارة التي تجرف كل ما يعترض طريقها؛ فاستولى الرعب على فرائصهم، وقرروا الفرار بنجاة أرواحهم، تاركين سيارتهم قابعة في منتصف الشارع، ومهطعين بالفرار في الأزقة الهامشية، ليذروا صديقهم الأبله وحيداً يواجه مصيره!
أما على جانب الطريق، وقف «صخر الصغير» يلهث بجوار دراجته النارية المتهالكة، ودمائه تختلط بتراب وجهه،شُخصت عيناه بذهول وانعقد حاجباه وهو يراقب هذا الرجل الفارع الذي اقتحم الشارع كالطوفان؛ لم يكن يعلم بعد أن هذا الجبل المتجسد الذي أغاثه ليس سوى «عمه» الذي لا يعرف عنه شيئاً، وأن الأقدار الهاربة قادته بالصدفة المحضة إلى عش الدبابير الأصلي لحمايته!
ترجل «صخر الجبالي» من سيارته بخطى ثابتة وقاسية، يتبعه أبناؤه الثلاثة بحجم هيبته، ليلتفوا حول نجله البكر «سليم» وهذا الشاب الغريب الأبيّ الذي أنقذه..
بين زوايا «حارة الجبالي» العتيقة، حيث تتصاعد في الأزقة رائحة التبغ الممزوجة برطوبة جدران الحجر القديم، كان «صخر» يجلس على الرصيف أمام المستودع ببرودٍ يثير حنق الصخر ذاته،عيناه جمرتان متقدتان بالملل، يراقب بجمود ذلك الابله٨ الغريب الذي يقف في منتصف الشارع ينفخ صدره، ملوحاً بسلاحه الأبيض المطواة في الهواء، وكأنه يراقص الموت في حضرة ملك الحارة، الذي نزل من السيارة هو أبناءه الثلاثة لحماية نجله البكر و هذا الغريب ،سأل الرجل بنبرة يملؤها الغرور والاستعلاء، مشيراً بسلاحه نحو صخر: «احنا اتفقنا معاه يخسر الماتش و هو منفذش الإتفاق و هيجي معانا غصب عن أي حد في الحارة و أنت لو جاي تتخانق له يبقي حسابك معانا؟»
قلّب صخر عينيه بمللٍ قاتل، وزفر دخان سيجارته وكأن هذا الأحمق هو آخر ما كان ينقصه في ليلته الكئيبة، ثم ألقى برده كقذيفة مدوية هزت أركان الشارع: «انا جاي من عند أمك بعد ما ريحت أبوك ليلة الدخلة!»
انطلقت ضحكات أولاده الأربعة والرجال المرابطين في أزقة الحارة، لتتردد أصداؤها بين البنايات..
تشنجت ملامح الرجل غضباً، وحرك الآلة الحادة في الهواء، يلوّلبها ببراعة استعراضية أمام عيني صخر.. لكن الأخير لم يرمش له جفن؛ ببرودٍ يثير الرعب، مد يده خلف أذنه اليسرى، سحب سيجارته ببطء، ثم وضعها بين شفتيه وهتف بوجهٍ جامد ووقاحة تقطر ثقة: «نزل القصاقة اللي في إيدك لتعورك يا روح أمك.»
انطلقت ضحكات السخرية من شباب الحارة لتكسر هيبة الرجل الذي وقف مذهولاً،وفي لمح البصر، انتفض صخر؛ استقام بطوله الفارع الذي حجب الضوء الخافت للعمود المتدلي من سقف المستودع، وبحركة خاطفة كالبرق، التف كفه الأيمن الغليظ حول رقبة الرجل، ليرفعه عن الإسفلت قليلاً وهو يهتف بنبرة غليظة محملة بالوعيد: «انا لسة خارج من الحجز و بتلكك أرجع ثاني عليا الحرام من ديني لشقك نصين!»
حاول الرجل استعادة كبريائه المهدور أمام المارة، ففتح كفيه بحركة استعراضية يائسة وقال بسخرية مهزوزة: «تصدق عجبتني؟ استني هصقف لك!»
اتسعت ابتسامة صخر، لكنها كانت ابتسامة الموت؛ قال بصرامة: «عليا الطلاق ما يحصل.. أنا اللي هصقف لك!»
لم يمهله ثانية؛ هبط بكفيه الثقيلين كالمطارق فوق أذني الرجل بقوة صاعقة،دوى صراخ الرجل المكتوم وهو يتلوى ويمسك رأسه: «آه، ودني!»
أمسك صخر بأذني الرجل وكأنه يغرس أصابعه في رأسه، وهتف ببطش: «ودنك اللي سمعت اسم المعلم صخر الجبالي كبير الحارة أول ما دخلت وطنشت!»
ثم عاجله بضربة دقيقة ومباشرة في عينه، جعلت الرجل ينهار على أرضية الشارع الصلبة وهو يصرخ: «آه ، عيني!»
انحنى صخر فوقه، وظله الفارع يغطي جسد الرجل المرتعش على الإسفلت، وقال بصوتٍ هادئ ومرعب: «عينيك اللي شافتني وخليتك تتجرأ تفتح عليا المطوة.. عليا الحرام من ديني، لو ما ركبت الموتوسيكل اللي مرسوم على الحيطة لشقك نصين!»
ساد صمت رهيب في أرجاء الحارة، ولم يقطع ذلك السكون سوى أنفاس الرجل اللاهثة وهو ينظر برعب إلى الموتوسيكل المرسوم على جدار البناية المجاورة، مدركاً أن «صخر الجبالي» على أرضه لا يعرف الرحمة أبداً.
لم تلتقط الحارةُ أنفاسَها بعد، حتى دوت صافرة سيارة الشرطة ترجلَ منها أرغد، ليجدَ المشاجرةَ قد انتهت ..
-
نهاية الليلة السادسة و العشرين