حارة العاشقين: الليلة السابعة والعشرين من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة (على بابا والأربعين حرامي - ج1)
دَهمَ «مريم» ألمٌ مباغتٌ وناهكٌ في أسفل بطنها، ألمٌ يغرس أنيابه في جسدها النحيل أثرَ مباغتة دورتها الشهرية؛ فوضعت كفها الأيمن على موضع الوجع تحاول احتواء الفوضى الخافقة في أحشائها. اعتراها خجلٌ ينسحق له الوجدان؛ التوقيتُ مريع، وهويةُ هذا الغريب الذي تقف في حضرته للتو عقدت معه صفقةً نفعية محضاً: يلتقط معها بضع صورٍ دعايةً لحملته البرلمانية، مقابل أوراقٍ مالية تعود بها إلى ظلمات مأوى الأيتام، أو إلى واقعها المظلم كبائعة ورد عند مفارق الطرق وإشارات المرور..
أدارت رأسها تلقاءه بنظرةٍ ذابلة، وهو لا يزال يضع هاتفه على أذنه اليسرى، ينغمس في حديثٍ متصل مع ابن عمه حول ترتيبات الحملة الانتخابية.
استحالت ملامح وجهها الفتيّ إلى صفارٍ شاحب كأوراق الخريف؛ شحوبٌ غذّاه نزف جسدها الطارئ، وتضافر معه فقر غذائي قاسي ينهك بنشاطها الحيوية. اضطربت نبرتها، وحشرج صوتها بالخوف، فتراجعت عن شرطها وأخبرته بفسخ اتفاقهما: «أنا لازم أمشي.. فلوسك لسة معاك وما أخدتش منها حاجة.»
كانت شفتان غضتان ترتجفان إثر برودة الطقس في الخارج، وإثر صراع التقلصات التي تعصر أحشاءها بالداخل.
شخصت عيناها نحوه كأنها تبصر أطيافاً من العالم الآخر؛ فور أن أنهى مكالمته مع «حمزة» وضع الهاتف فوق اللوحة الأمامية للمركبة، واستدار نحوها. لم يكن يدرك طبيعة ما يلمّ بها؛ بل خال أن معدتها الهشة لم تحتمل طعاماً مسمماً أو بقايا وجبةٍ فاسدة، فسألها باهتمامٍ مشوب بالحيرة: «أنتِ حاسة بإيه؟! نروح المستشفى؟»
لوحت بكفها الأيمن بتعبٍ يائس: «لأ.. عايزة أرجع الدار.»
استوقفته الكلمة، وانتبه عقله أخيراً لحقيقة أن هذه الصغيرة تعيش في مأوى للأيتام، وأن جهةً ما تستغل طفولتها وتلقي بها في الشوارع لبيع الورد: «أنتِ عايشة في دار أيتام؟»
أومأت برأسها في إعياءٍ شديد وقالت: «ولو أخدت منك الفلوس دي.. هياخدوها مني.»
استمرت التقلصات تنقر أحشاءها بلا رحمة، بينما أدار الشاب محرك السيارة وانطلق، فسألته بوجل: «إحنا رايحين فين؟! بقولك عايزة أرجع الدار، أنا تعبانة أوي!»
سألها «باشا الصغير» بعدم فهم لتلك الحالة المباغتة: «أنتِ أكلتِ ايه؟»
أجابته مريم بنبرة مخنوقة بالكسرة: «بقالي يومين متعاقبة في المستودع ومأكلتش حاجة..»
التفت إليها برأسه مجدداً، وشعر بغصة تعصر حنقرته؛ أي ألمٍ ومأساة جرعتها هذه الصغيرة في ذلك الجحيم المسمى داراً؟!
ضاعف من سرعته عبر طرقات المدينة الخاوية ليعجل بالوصول إلى منزله، مرت الدقائق في صمتٍ مريب وثقيل، حتى ركن سيارته بجمود أمام البوابة الرئيسية لقصرِه الفاره،سألها للمرة الثانية بنبرة حريصة: «أنتِ أكلتِ حاجة مسممة في الدار؟ أنا هتصل بدكتور ييجي يكشف عليكِ هنا.»
أومأت برأسها نفياً بتعب: «لأ..»
في تلك اللحظة، وقعت عيناه على بقعة الدماء القانية التي صبغت بنطالها البالي.. مسح وجهه بكفيه بذعرٍ مكتوم؛ هذا ما كان ينقصه بالتحديد! تورط في أمر هذه الصغيرة، واكتملت محنته بهذا الحرج العظيم، فتح باب سيارته، ثم التفت إليها ونزل، قائلاً بهدوء: «انزلي.»
اجتاحها الخجل وألجمتها الحيرة وهي تلمح أفراد حرس البوابة يلتفون حول السيارة؛ كيف ستترجل أمام هذه الأعين بملابسها المتسخة بالدماء؟! ارتجف جسدها النحيل وقالت بتوسل: «لأ.. أنا هرجع الدار!»
نزع معطفه الفاخر، ومد يده من خلال نافذة السيارة وهو يشيح بوجهه جانباً تحاشياً لإحراجها: «البسيه.»
لعقت شفتيها بخجلٍ جارف؛ برغم درايتها التامة بأنه قد يلقي بهذا المعطف في القمامة فور نزعه عنها وهو الذي نعتها في أوائل لقائهما بسلة قمامة تلوث الجو إلا أنها تناولت المعطف وارتدته، انطوى جسدها الضئيل كلياً داخل الهيكل العريض للمعطف الثمين، ثم فتحت الباب ونزلت، تحاول تعديله حولها وهي تتوقف إلى جواره..
سألته بنبرة خفيضة: «هما مين دول؟»
أجابها بذات النبرة الجافة: «حرس البيت.»
زمت شفتيها بعدم فهم، ومضت بخطواتٍ مترددة تتبعه..
على جانب الممر، لفتت انتباهها بركة السباحة الواسعة الخاوية من المياه، وإلى جوارها أرجوحة مهجورة يكسوها التراب؛ ترابٌ يقف شاهداً على عذابٍ مهول مر به هذا الرجل يوم فَقَد ابنته الصغيرة غرقاً في تلك البركة، وما تلاه من انتـحار زوجته داهمةً بإحساس الذنب القـاتل،نادى عليها «باشا الصغير» بنبرة قاطعة: «مريم.. ادخلي.»
أومأت برأسها إيجاباً، وألقت نظرةً أخيرة على الألعاب المتناثرة على الأرضية المتاخمة للبركة والأرجوحة، غادرت الحديقة ودلفت إلى داخل المنزل، لتتأرجح ملامحها في ذهولٍ طارئ؛ كان المكان أشبه ببيت أشباح مهجور، خاوياً من أي نفسٍ أو حركة، حتى إن حديث المرء فيه يرتد صداءً يتردد بين الجدران الصامتة،استوقفت عينيها أريكةٌ قماشية في الصالة الرئيسية، وُضع فوقها شرشفٌ ووسادة مفرودة، هل هذا هو الموضع الذي ينام فيه؟! بالرغم من أن البيت يفيض بالغرف والمسارات، كانت عيناها تطوفان على الصور الفوتوغرافية المعلقة بانتظام على الحائط؛ صورٌ لطفلة صغيرة تبتسم في مراحل عمرها المتدرجة حتى سن الخامسة،شخصت عيناها نحوه لحظة، وهو يضع هاتفه على أذنه يتابع اتصالاً تجارياً حثيثاً.. هنا أدركت حقيقة دنياه؛ حياته كلها أضحت ملاذاً ينغمس فيه في العمل والركض، كي يشغل وقته لافتقاد المساحة التي تسمح لعقله باستحضار طيف ابنتِه وزوجته..
أنهى مكالمته الهاتفية مع عامل الصيدلية، وأشار إليها بالجلوس. همّت بالجلوس على المقعد، لكنها تذكرت اتساخ ملابسها بالدماء، فانتفضت واقفة مرة أخرى وقالت بحرج: «لأ.. مش هينفع، الكرسي هيتوسخ.»
وضع الهاتف فوق الطاولة الخشبية المرصوفة أمام الأريكة التي اتضح أنه يتخذها مقراً لإدارة أعماله والاريكة مضجعاً لنومه طوال الوقت،أخرج مفتاحاً صغيراً من جيب بنطاله، ووضعه في كالون الباب المغلق؛ كانت يده ترتجف بوضوح.. هل ستستعر أمام عينيه أطياف زوجته وابنته لتطارده من جديد فور فتح هذا الباب؟!
تجشّم شجاعته وأخيراً دلف إلى الغرفة؛ كان من الجلي أنها غرفة نومه الرئيسية قبل أن تحيلها الفاجعة إلى مهجعٍ مهجور،كانت مريم تتابع كل حركةٍ منه بوجل؛ كان يطوف بعينيه المجهدتين في زوايا الغرفة كمن يستجدى غفراناً، ثم تحرك نحو الدولاب، فتح الضلفة، واستلّ ملابس زوجته الداخلية المرصوفة في الأدراج العلوية بعناية، ثم انحنى برأسه واستخرج قميصاً شتوياً تيشيرت وبنطالاً منزلياً ناعماً،أغلق الدولاب ببطء شديد، بعدما اطمأن إلى أن كل شيء عاد إلى ذات الترتيب القاسي الذي تركته عليه زوجته قبل رحيلها، أغلق باب الغرفة بالمفتاح مجدداً، وعاد نحو مريم يمد يده بالثياب: «ادخلي الحمام.»
في هذه الأثناء، توقف الحارس خلف الباب الخارجي وقال بصوتٍ مسموع: «في واحد بيقول إن حضرتك طلبت طلبات من الصيدلية.»
خرج «باشا الصغير» إلى العتبة الخارجية، وسأل العامل: «أنا طلبتهم،حسابهم كام؟»
تراجع الحارس جانباً، بينما دفع باشا الصغير ثمن المشتريات، وانصرف عامل الصيدلية يستقل دراجته النارية المحملة بصندوق البضائع الخشبي في الخلف
أخذ باشا الصغير الكيس البلاستيكي، وأغلق الباب بحزم، ثم عاد إليها يحمل بين يديه كيسًا يفيض بالعناية المركزة: فوطاً صحية، وقربة ماءٍ دافئ، وزجاجة مياه معدنية، ومناديل مبللة، وصابونة طبية، ومسكناً حاداً للآلام مع أقراصٍ مانعة للغثيان،لم يكن مجرد كيسٍ عابر، بل كان إعلاناً صامتاً عن ما مرت به من ألمّ، وعن حرصه الإنساني الذي يتستر دوماً خلف رداء السلطة والجفاف..
استدارت مريم بجسدها كأنها غائبةٌ عن الوعي من شدة الإعياء، وسألته بصوتٍ خافت ومجهد: «إيه ده؟»
لم يجبها بالكلمات، بل حسم الأمر بالعمل؛ وضع الكيس البلاستيكي في حجرها، وقال بنبرة هادئة: «ادخلي الحمام يا مريم.»
في تلك اللحظة، اجتاحها طوفانٌ من خجل الأنثى؛ ارتجفت أطرافها، وتساقطت قطرات العرق البارد من جبينها الشاحب، غير أنه وسط هذا الارتباك، نبت في أعماقها يقينٌ خفي وثقةٌ لا تتزعزع تجاه هذا الرجل، رفعت رأسها نحو وجهه، وعيناها تلمعان بدموعٍ، ولم ترَ فيه في هذه اللحظة سوى جدارِ أمانٍ صلب،لم يكن رجلاً يقتنص ضعفها ليستغله، بل كان يواجه ارتباكها ورجفتها بسكونٍ مطمئن، كأنما يقول لها بلسان الحال أنا هنا.. أطمئن :«بعد ما تخرجي من الحمام... تحكي لي إيه اللي بيحصل في الدار.»
-
لم تكد الحارةُ التائهة تتنفس الصعداء، حتى شقّ عتمةَ ليلِها النواحُ الحاد لصفارة سيارة الشرطة. ترجّل منها «أرغد» رئيس المباحث بهيبةٍ حازمة، ينفض عن عباءته غبار البلاغات، ليجد العراك قد وضعت أوزاره وانقضى أمره،
توقف أرغد بجسده العريض قبالة «صخر» وأبنائه الأربعة، ومكتنَفاً معهم ذلك الغريبَ عن أزقة الحارة، ثم سأل بلهجةٍ تشوبها الريبة والتهكم المتكرر: «كل يوم خناقة يا معلم صخر؟!»
كانت نظرات «سليم» الواقف جانباً تختزل الحقيقة كاملةً؛ نظراتٌ تقرأ السطور الخفية، ليفهم «أرغد» في توجسٍ خاطف أن سليم وجماعة الجبالي علموا بأمر مخبأ ابن عمهم «أمير» القابع داخل المزرعة،غير أن «صخر الجبالي»والذي يتلون بثبات الحرباء في أحلك لحظات الصدام ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة ومراوغة، ثم قال باستنكارٍ متهكم: «خناقة إيه يا أرغد باشا؟!»
في تلك اللحظة، فتحت «صافي» باب سيارتها المحاذية، وهرعت بخطى متسارعة لتطمئن على سلامة سليم،ارتسمت الدهشةُ جليّةً على ملامحه حين رآها؛ إذ لم تمتثل لأمره بالعودة إلى المشفى، فسحبها بسرعة من ذراعها الأيسر بعيداً عن أعين التجمهر، متسائلاً بحدة مكتومة: «بتعملي إيه هنا؟!»
تلعثمت صافي تحت تأثير الخوف والارتباك: «كنت.. كنت..»
قاطعها سليم وهو يتفحص وجهها بنظراتٍ حانية لتفقّد سلامتها: «أنا مش قولت لك ترجعي المستشفى؟! أنتِ اللي اتصلتِ بـ عمك؟»
أعادت صافي إرجاع خصلات شعرها الشقراء المموجة إلى الخلف، وقالت بسخرية طفولية تخفي قلقها: «ده بدل ما تشكرني؟!»
ضغط سليم بعبثٍ صارم على ذراعها الأيمن وهو يناكفها بابتسامة تهكمية: «عاملة نفسك زينة مرّات هركليز؟!»
لم تتمالك صافي نفسها، فانفجرت في ضحكةٍ خفيفة كشفت عن دلالها، ليرفع سليم حاجبه الأيمن بزجرٍ جاد وهتف بصرامة حازمة: «صوتك عالٍ! إحنا في الشارع!».. ثم سألها وهو يتفقد هيئتها: «قلعتِ الآيس كاب ليه؟! مش قولت لك مش عايز أشوف خصلة نازلة؟!»
عدّلت من وقفتها بامتثال، وأخرجت القبعة الشتوية من جيب جاكيتها الجلدي وارتدتها فوراً، فابتسم سليم برضا مكتوم،
هنا سألته صافي بنبرة خفيضة: «أبوك عرف؟»
مسح سليم وجهه بكفيه بذعرٍ صامت، وهو يرمق الرجل الواقف أمام والده قائلاً: «عمك لسة ميعرفش..»
على الطرف الآخر، واصل صخر مراوغته الماكرة لأرغد قائلاً: «هتاخدنا القسم ليه يا أرغد باشا؟ بقولك مفيش خناقة!»
اقترب سليم وصافي من حلقة الحوار، ولولا أن سليم ضغط بثقل كفه على كتف صافي ليحجم اندفاعها، لكانت لسان المحامية قد فضح جُرم «أمير» أمام أرغد، فكورت يدها اليمنى بغيظٍ مكتوم واستكانت
سأل أرغد بنبرة جافة لا تنطلي عليها الاعذار: «يعني عايز تقنعني إن الراجل ده عوّر نفسه؟!»
التفت «صخر الصغير» بنظرة خاطفة نحو عمه «صخر الجبالي»، فتلاقت أعينهما لأول مرة في مواجهةٍ حبلى بالرموز والأقدار، حكّ صخر الجبالي ذقنه وهو يوجه حديثه الشاخص للفتى الغريب: «في حد قرب لك يا ابني؟»
أومأ «صخر الصغير» برأسه نفياً، ماشياً على خطى كبير الحارة ليحميه ويحمي نفسه: «لأ.»
في هذه اللحظة الحرجة، برزت «صافي» لتتولى زمام الموقف وهو ما أثار غيرة سليم الدفينة أثر تجمهر رجال الحارة حولها من جهة، والخبر المباغت الذي أذاعته للتو من جهة أخرى حين قالت بثباتٍ وجرأة: «عم صخر كان بيعزم الناس في الحارة على فرحي أنا و سليم..»
ابتسم صخر الجبالي في سرّه؛ فهذه الصغيرة تُعد نسخةً مصغرة منه في الذكاء والدهاء، وليست كوالدها الراحل،أردفت صافي بلسانٍ حذق تغلبت فيه روح المحاماة: «وكانوا بيعلقوا النور في الشارع وأظن مفيش قانون في البلد بيمنع الناس تعلق نور الفرح!»
مرر صخر كفه على وجهه يخفي ابتسامة العزوة، وأعاد صياغة حديثه لأرغد برأسٍ مرفوع: «أنت معزوم يا أرغد باشا!»
تهكّم أرغد وسخر من الإدعاء، فهو يعلم علم اليقين أن أبنه «يوسف» يرقد بين الحياة والموت في العناية المركزة، وأن هذه التمثيلية ليست إلا حيلةً ذكية يفر بها المعلم وأولاده من البيات داخل الحجز، فسأل بجفاف: «والفرح أمتى يا معلم صخر علشان اجي أبارك؟»
ردت صافي بالنيابة عن عمها بذات النبرة الواثقة: «فرحنا بكرة!»
قال أرغد بنبرة تحمل التهديد والترقب، وهو يستقل سيارة الشرطة ويغلق بابها، قبل أن يطل برأسه من النافذة: «مبروك، لسليم أنا لازم اكون شاهد علي كتب الكتاب!»
تنهد صخر بضيقٍ مكتوم وهو يعود ليجلس على رصيف المستودع: «ده إحنا نتشرف يا ارغد باشا..»
انطلقت سيارة الشرطة وغادرت الحارة، فور انصرافها، أطلق صخر سراح البلطجي الأبله، وأشار إليه بصوتٍ يقطر بالوعيد والتهديد الصارم: «عارف لو قربت له تاني؟! أنا مش هخليك تركب الموتوسيكل اللي مرسوم على الحيطة .. أنا هجي لك البيت!»
توسل الرجل برعبٍ وهو يتراجع للخلف: «لأ أبوس إيدك يا معلم! أنا عندي بنات!»
طرده صخر بإشارة من يده: «أنت لسة واقف؟!»..
فرّ الرجل ركضاً حتى اختفى أثره من الأزقة،
التفت صخر الجبالي نحو الشاب الغريب، وسأله باهتمامٍ أبوِي: «اسمك ايه؟»
انتاب «صخر الصغير» ذعرٌ شديد من هيبة عمه وسطوته الحاضرة؛ فهل يجرؤ على الإفصاح عن هويته بأنه ابن شقيقه المفقود؟! تلعثم وهو يجيب: «اسمي.. اسمي..»
انقطع حديثه بغتة حين خطت نحوهم امرأةٌ غريبة تطأ الثرى بنبرة هادئة: «السلام عليكم..»
تراجع «صخر الصغير» إلى الخلف خطوتين، وشخصت عيناه بذهول؛ هذا الصوت مألوفٌ جداً لديه! هذه المرأة كانت السبب الأول في مأساته الوجودية؛ احتضنته ورَبّته كطفلها يوم كان صغيراً، حتى إذا ما رُزقت بطفلٍ من صُلبها، نبذته وإعادته إلى جحيم مأوى الأيتام بلا رحمة! وكأن القدر يقتص منها؛ إذ توفي طفلها الحقيقي فور بلوغه العام العاشر وهو ذات السن الذي طردت فيه صخر الصغير إلى المأوى! ،تطلع إليها صخر الجبالي وسألها بنبرة مستفسرة: «مين حضرتك؟»
تنهدت المرأة المدعوة «صفية»، وسألت عن شقة للإيجار في بنايته: «الاسطي إسماعيل قال لي إن الشقة اللي في العمارة فضيت، وأنا دفعت المقدم..»
نادى صخر بصوتٍ جهوري هزّ جنبات الشارع: «يا إسماعيل!»
أسرع «إسماعيل» ممتثلاً، وأخذ يرافق «صفية» ليوصلها إلى الشقة العلوية، وقبل أن تخطو المرأة أولى درجات السلم، استدارت بعفوية وتطلعت نحو الشاب الغريب؛ توقفت نظراتها عند «صخر الصغير»، لترتسم على ملامحها دهشةٌ صامتة.. كان الوجه مألوفاً لروحها بشكلٍ مريب! استشعرت أن تلك الملامح ليست لغريب، لكن أوهام السنين جعلتها تستبعد الفكرة وتشك في حواسها؛ إذ كانت آخر عهدها به حين كان طفلاً لم يتجاوز العاشرة قبل أن تلقي به في مأوى الأيتام!
أما هو، فقد كانت عينان تتأقدان باشمئزازٍ مقيت يُعرّي قسوتها القديمة، مقدماً لها الرفض في أبهى صوره دون أن ينطق بكلمة،
التفت صخر الجبالي مجدداً نحو الفتى، وسأله للمرة الثانية باهتمامٍ أعمق: «اسمك إيه يا ابني؟»
وقبل أن ينبس الفتى بحرفٍ ليراوغ للمرة الثانية، شق صمت الشارع رنينُ هاتف صخر، استلّ الهاتف من جيب معطفه ليجد المتصلة والدته «الحاجة فاطمة»، أجاب بسرعة،
جاءه صوت الحاجة فاطمة يحمل صدمةً ومزيجاً من الحسرة: «كارين خرجت من المستشفى! وسابت ساعتها و كاتبة علي الروشتة حساب الأكل والعلاج!»
تجمدت ملامح صخر، واشتعل رأسه بغضبٍ مكتوم أمام هذا العناد المريض لزوجة شقيقه المتوفى؛ كان هذا الخبر كفيلاً بأن ينسيه سؤال الفتى الغريب، وأن يقطع شريط أفكاره ليتجه عقله نحو كارين وما تصنعه بنفسها وبناتها..
-وفي زاويةٍ أخرى بعيدة عن الجمع،تفاصيل علاقة خاصة جداً جمعت بين طيش "صافي" وعناد "سليم"، اللذين لم يمنعهما كذب
"كتب كتابهما" حديثاً من تحويل الحديث إلى ساحة للمشاكسة الرومانسية ..
انهالت عليهما المباركاتُ والتهاني من كل صوبٍ من أهالي الحارة، فور انتشار نبأ زواجهما المباغت كالنار في الهشيم؛ فتعالت الأصواتُ ببهجةٍ صادحة تخترق أرجاء الشارع، ويتسابق الجميع لإبداء الفرحة: «مبروك يا سليم،ألف مبروك يا عريس!»
وقف "سليم" بقامتِهِ الممشوقة،وعيناهُ تلمعانِ بمزيجٍ من الجديةِ والارتباكِ الذي تسببهُ له تلك "المصيبة" الواقفةُ أمامه:
«الله يبارك فيكم»
همست صافي بنبرةٍ دراميةٍ مصطنعة:
«أنا عملت كده علشان أخرج أبوك من الحجز لكن أنا متجوزش الأشكال دي و اتفقنا زي ما هو جوازنا مقابل تنازل أبوك عن الوصاية على كريم»
ارتخت ملامحُ سليم الصارمة، وغلبتْهُ ضحكةٌ رجوليةٌ دافئةٌ لم يستطع كبتَها:
«هنكتب الكتاب و يبقي جواز علي ورق
لحد ما أروح الجيش» ..
-وبعد مرور بضع ساعات من تلك الليلة الكئيبة،كانت «كارين» قد صرعت عذاب الطريق عودةً إلى فيلتها؛ مشت حافية القدمين لمسافات طوال، تعاف الأسفلت والبرد بعدما عجزت عن تدبير ثمن مواصلةٍ واحدة إثر كبريائها المظلوم،فتحت باب الفيلا المظلمة بأصابع ترتجف، لتجد «ندى» مستلقيةً على أريكة الصالة، لا زالت تغط في غيبوبة فقدان الوعي إثر الإنهيار..
انهارت كارين على الأريكة المجاورة، ورفعت قدميها المدميتين فوق سطح المنضدة الرخامية؛ فتحت فمها بذهولٍ ووجعٍ مكتوم وهي تطالع التقرحات والندوب التي نهشت قدميها الناعمتين طوال الطريق..
جالت بعينيها الشاحبتين في العتمة؛ كانت الأجهزة الكهربائية تحيط بها كجثثٍ هامدة خردة لا نفع منها، بعدما قطع شقيق زوجها المتوفى التيار الكهربائي عن الفيلا ليحاصرها، استلت هاتفها المحمول الموضوع بجوارها، وأجرت اتصالاً هاتفياً حرجاً مع «كمال»..
على الجانب الآخر، ارتسمت ابتسامةٌ خبيثة على شفتي كمال، لفتت انتباه «سيف» الجالس قبالته فسأله مستنكراً: «إيه الضحكة دي؟!»تجاهل كمال سؤال سيف، فتح المكالمة الهاتفية وقال بنبرة تتصنع اللياقة: «عاملة إيه يا مدام كارين؟»
جاءه صوت كارين واهناً ويقطر بالحاجة الحادة: «أستاذ كمال .. أنا عايزة أبيع الأجهزة.»
استغرب كمال طلبها وسألها بحيرة: «هتبيعي الأجهزة الكهربائية ليه؟!»
ردت كارين بجفاف وهي تتجه نحو المطبخ: «مش بستخدمهم .. مفيش كهربا في الفيلا.»
تمشت بخطواتٍ مجهدة، وعيناها تبحثان عن شيء يخدر ثورتها؛ توقفت قبالة مبرد المياه، وضعت المصباح الكهربائي لهاتفها لتنير الظلمة الدامية، ثم أخذت تنبش بكفها الأيسر داخل علبة الأدوية المتروكة.. كانت تبحث عن علبة المهدئات الثقيلة التي كانت تتناولها إبان ولادة طفلها الرضيع..
أخيراً وقعت عينها عليها؛ استلت العلبة، وفتحت باب المبرد لتتناول قنينة ماء، وابتلعت القرص الأول بشراهة..
سألها كمال عبر الهاتف: «مدام كارين.. أنتِ معايا؟»
أجابته وهي تجرع المياه بصعوبة في حلقها الشاحب: «معاك..»
أردف كمال يسألها بخبث: «هتعملي إيه في الفيلا لوحدك؟»
كان سؤال هذا الغبي هو القشة التي قصمت صبر المجهدة؛ لكنها تجرعت قرصاً ثانياً فور أن أردف كمال بلهجةٍ حية يلغمها بالضغط، معلناً معرفته بوجود «مياسين» وبناتها الثلاث في بيت الجبالي، وأن العائلة تنعم برعايتهم هناك!
ابتلعت قرصاً ثالثاً، وجلست على الأريكة الصغيرة تحاول لجم الرعب الذي يخلع أضلاعها، تنفست بصعوبة، ثم ابتلعت القرص الرابع؛ رأسها سينفجر من كثافة التفكير وقسوة قلة الحيلة!عادت وأخبرته بنبرة قاطعة: «زي ما طلبت منك .. عايزة أبيع الأجهزة.»
وافق كمال فوراً وسألها: «كل الأجهزة؟»
أجابت كارين وهي ترمق جدران بيتها المهجور بنظراتٍ ميتة: «البوتاجاز، والتلاجة، والديب فريزر، والدفاية، والمكواة، والتكييفات.!»
ابتلعت قرصاً خامساً، وأنهت المكالمة الهاتفية بجفاء،مددت قدميها المروحين فوق المنضدة الرخامية، وشعرت بخدرٍ لذيذ يسري في أطرافها حتى لم تعد تشعر بألم التقرحات،
تذكرت في تلك اللحظة خيانة زوجها المتوفى، وزواجه السرّي من امرأة أخرى، فابتلعت قرصاً سادساً!
دمعت عيناها وهي تتصور بنات مياسين الثلاث يرتعن في أحضان الحاج صالح، فابتلعت قرصاً سابعاً!
انتحبت بحرقة وهي تتذكر حفاوة عائلة زوجها المتوفى بالزوجة الثانية «مياسين»، بينما باتت هي وبناتها النبلاء المنبوذين المطاليق، فابتلعت قرصاً ثامناً! ثم تاسعاً
تذكرت طفلها الرضيع، فتناولت القرص
الأخير!
لم تكن تنوي الانتحار أبداً؛ بل كانت توهم روحها المعذبة أن كل قرصٍ تبتلعه سيخدر قطعةً صغيرة من هذا الوجع المستعر في صدرها!سقط شريط المهدئات الفارغ من يدها الارتخاءة، وسقطت رأسها إلى الخلف على وسادة الأريكة.. بدأت الألوان تتداخل، وأضحت الرؤية مشوشة، وشيئاً فشيئاً غطت العتمة على حواسها..
في ذات اللحظة، وفي نقطتين متباعدتين من المدينة، انطلقت سيارة «صخر الجبالي» كالإعصار نحو الفيلا ينقذ ما تبقى من كبرياء كارين، بينما انطلقت سيارة «كمال» ينهب الأرض ليستغل انكسارها وفريستها..
فمن منهما سينتصر في صراع الوصول أولاً؟ ومن الذي قاد هذه المرأة المسكينة نحو تلك الهاوية المظلمة؟
-
نهاية الليلة السابعة و العشرين