رواية حارة العاشقين الليلة الثلاثين


حارة العاشقين: الليلة الثلاثين من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا و الأربعين حـرامي ج١ 
​أنهت "كارين" حديثها العاصف بنبرةٍ جازمة:
«أنا هاجي معاك عشان أطّمن على صدف..»
​زفر "صخر" زفرةً حارقة، ورمقها بنظرةٍ صارمة شابتها حدةٌ واضحة، وقال بصوتٍ حاسم:
«أنا مش قولت لك نتجنب بعض؟!»
​أومأت برأسها في إيجابٍ صامت، وقد تراجعت خطواتٍ للخلف لتعود وتجلس على الأريكة بخيبةِ أمل. غادر "صخر" الغرفة سريعاً وأغلق الباب خلفه بقوة، ليخيم على المكان سكونٌ ثقيل، أفسح المجال لصدمةٍ عاتيةٍ عَصَفت بقلب كلٍّ منهما.. فمنذ دقائق معدودة، كانت شفاؤهما تتلاحمان في ثورةِ ظمأٍ وجوعٍ عاطفي مكبوت! "كارين" لم تعد تبكي زوجها الراحل كما كانت، بل أفاقت على فراغٍ أنثويٍّ ينهكها، أما "صخر" فقد اعتلي سيارته وأغلق أبوابها، يحاول التقاط أنفاسه المجهدة؛ إذ كيف لرجولته وكبريائه أن يرتكبا تلك الفتنة ويقبل زوجة شقيقه المتوفى؟!
​تجسد الذنبُ أمام عينيه كشبحٍ يعتصر صدره، فمسح وجهه بكفيه الثقيلتين وهتف بنبرةٍ يملؤها الشجن والتعب:
«الحاجة الوحيدة اللي بتربطك بيها هي ولاد أخوك..!»
​ضغط على دواسة البنزين بكل قوته، لتنطلق السيارة بأقصى سرعتها محثيثةً الخطى، بينما كانت "كارين" داخل الفيلا تغمض عينيها، وهي تستمع إلى صرير الإطارات الشرس يمزق الأسفلت في الخارج. همست بدهشةٍ وهي تنفض ذهولها:
«مش عارفة لما أشوفه تاني هتجيلي إزاي الجرأة أكلمه بعد اللي حصل؟!»
​أسندت رأسها إلى الخلف، وانسابت ذكريات تلك القبلة المشتعلة في مخيلتها؛ رفعت كفها الأيسر لتلمس شفتيها بأصابع ترتجف، وانفرجت ثغرتها عن ابتسامةٍ غائمة وهي تتذكر عبق فمه، وقوته الساطوة، وشهامته الشعبية حين ذاد عنها وحماها من بطش "كمال".. ثم همست بسخريةٍ وهي تقلد نبرته الآمرة:
«نتجنب بعض أحسن!..؟!»
​ثم استعادت حديثه اللبق والسابق عن ضرتها، فتذكرت قوله:
«أنا عرفت كريم اتجوز مياسين ليه.. كريم راجل طيب وعايز واحدة شبهه، لكن أنتِ ست شرسة ومتوحشة!»
​اشتعل الغيظ في أوردتها، فامتدت يدها إلى المنفضة الرخامية الثقيلة الملقاة على المنضدة، وقذفت بها بكل قوتها لتصطدم بزجاج النافذة الجانبية متهشماً، وهتفت بمرارة:«أشبع بيها!»

​-وعندما وصل "صخر" إلى المستشفى، جاب بعينيه المجهدتين أرجاء الرواق الأيمن بحثاً عن والدته، حتى أبصر ابنته "ليلى" تقف على مقربةٍ من إحدى الغرف، فسألها بنبرةٍ متوترة:
«صدف فين؟»
​أشارت "ليلى" بسبابتها نحو الباب، وأجابت بحزن:
«في الأوضة دي.. وقعت على الأرض وشالوها ونقلوها هنا.»
​رفع "صخر" مزلاج الباب وولج إلى الداخل.. تجمد في مكانه للحظاتٍ صدمةً وهو يرى شقيقته الغالية ممدةً على السرير في شبه غيبوبة، رافعةً رأسها نحو السقف بنظراتٍ خاوية زجاجية. خارت قواه وركبتيه، فجلس على طرف الفراش قبالتها، وربت على كتفيها بكفيه الدافئتين وسألها بعطفٍ أخوي:
«حاسة بإيه يا حبيبتي؟»
​في تلك اللحظة، ترقرق الدمع في عيني "صدف"، ولأول مرة منذ سقوطها، اندفعت لترتمي في أحضانه ومحتضنةً إياه بشدة. انفرجت شفتا "الحاجة فاطمة" بتنهيدةِ رجاءٍ وأمل، بينما غسلت الدموع وجنتي ابنتها.. وهنا سألها "صخر" وهو يمسح على رأسها:
«ايه رأيك نخرج من المستشفى؟»
​أومأت برأسها إيجاباً، فمال برأسه ليطبع قبلةً حانية على وجنتيها وقال يمازحها ليخفف عنها:
«تعالي نتمشى أنا وأنتِ لوحدنا ونغيظ البت ليلى!»
​تبسمت "ليلى" وتقدمت تحتضن والدها بدلالاً:
«هاجي معاكم!»
​دفعها "صخر" بفكاهةٍ ومحبة محاولاً تلطيف الأجواء المحتقنة:
«ابعدي عننا هي ناقصة فقر؟!»
​وضعت "ليلى" كفيها حول خصرها بتذمرٍ لطيف:
«باصالكم في الخروجة دي!»
​لم يستطع "صخر" كتمان ضحكته التي أطلقت دفئاً في الغرفة، ثم تناول معطف "صدف" ليساعدها في ارتدائه. كانت عينا "صدف" تتنقلان بكسرةٍ بين أبيها وأمها اللذين يترقبان من حنجرتها أي كلمة، وحين انتهت من ارتداء المعطف، انحنى "صخر" بطلته المهيبة ليجلب حذاءها الرياضي من الأرض ويلبسها إياه ،بادرت "ليلى" بالقول:
«أنا هلبسها الكوتشي يا بابا..»
​رفض "صخر" بابتسامة، وأكمل إحكام رباط الحذاء بنفسه، ثم رفع رأسه متسائلاً:
«الربطة دي أحسن ولا أنتِ بتعمليها..؟»
​أومأت "صدف" برأسها في امتنانٍ صامت. عدل وقفته وتوقفا جميعاً عند باب الغرفة استعداداً للمغادرة، فقال "صخر" بنبرةٍ مرحة:
«إحنا هنتمشى شوية على البحر.. ولو اتقبض علينا أنا معرفهاش!»
​تعالت ضحكات الجميع في الحجرة، فتبسمت "صدف" وهي تتعلق بذراع شقيقها وتعتصر حنانه. وما إن غادرا الغرفة، حتى ترقرقت الدموع في عيني  "الحاج صالح" وسأل بزفرةٍ مكسورة:
«هنعمل إيه؟»
​فركت "الحاجة فاطمة" كفيها ببعضهما في حيرةٍ وقلق:
«يمكن لما تغير جو نفسيتها ترتاح.. و ترجع تتكلم تاني!»

-أمالت "صدف" وجهها مستندةً بساعديها على نافذة السيارة، تتابع أضواء المدينة الباهتة، بينما كان "صخر" يجوب الشوارع بتمهل. التفت إليها وسألها:
«عايزة تنزلي نتمشى على رصيف البحر؟»
​فهزت رأسها بالرفض الصامت، أشار بسبابته نحو إحدى الواجهات الزجاجية لمحلٍ تجاريٍ متكفلٍ ببيع أدوات الرسم وقال:
«في محل بيبيع حاجات الرسم.. هركن العربية وننزل نشوف محتاجة أيه.»
​وعندما هزت رأسها بالرفض مجدداً، أصر "صخر" بتصميمٍ أخوي:
«صدف.»
​صفّ السيارة أمام الواجهة، ونزل ليفتح لها الباب، فاستسلمت لرجائه ودلفا معاً إلى المتجر. استقبلهما البائع بترحيب:
«اتفضلوا..»
​ربت "صخر" على كتف شقيقته وقال بثقة:
«الفنانة بترسم لوحات.. عايزين حامل لوحات، واسكتشات، وأقلام، وفرش..»
​ثم التفت لـ "صدف" يطلب منها الاستراحة:
«اقعدي لحد ما يجهز الحاجات.»
​أومأت إيجاباً وجلست. وفي تلك اللحظة، وقعت عينها عبر الزجاج المقابل للشارع على متجرٍ لفساتين الزفاف.. تراءت لها صور العرسان، وسخرية المرأة من سنها، وجرح "العانس" الذي يلاحقها، فلم تتمالك صمودها المنهار؛ وانطلقت من حنجرتها المكتومة صرخةٌ حادة مروعة!
​انتبه "صخر" بفزع شديد واندفع نحوها:
«في إيه يا صدف؟! حد ضايقك؟!»
​خرج البائع من بين الرفوف الخشبية يمتلئ بالحيرة وسأل بوجل:
«مالها الأستاذة؟!»
​لم يكن في الشارع أو المحل غيرهم؛ كانت جسدها ينتفض برعبٍ واهتزازٍ هستيري، فضمها "صخر" إلى صدره بقوة يحميها من أوهامها، وتنهد بأسى وهو يسأل البائع لينهي الموقف:
«الحاجات دي حقهم كام..؟»

-​كان سمر الرجال قد بلغت جرأته أشُدّها..
​سأله ابن عمه "أرغد" بفضول:
«أنت عايز إيه من الست يا باشا؟»
​رد "باشا" بأسفٍ ورزانة على اختياراته السابقة:
«اتجوزت مرتين.. كل جوازة كانت عبارة عن بريستيج حتى وإحنا مع بعض في السرير!»
​هنا أدرك أولاد عمه مكامن الوجع والعلة في زيجاته الفاشلة، فسأله "حمزة":
«يعني اللي هتتجوزها مش هتفكر في مستواها الاجتماعي؟»
​نهر "أرغد" شقيقه بتهكم:
«أومال هو بيقول إيه..؟!»
​التقط "شريف" الخيط وسأله باهتمام:
«واللي هتتجوزها دي هتبقى عاملة إزاي..؟»
​اعتدل "باشا" في جلسثه وأجاب بشرودٍ وعمق:
«.. متبقاش عيلة صغيرة علشان تفهمني وتستوعب دماغي،.. مش عايز مستوى اجتماعي عالي عايزها شعبية،لكن متعلمة عشان مبقاش أنا في وادي وهي في وادي تاني ..عايزها تعوضني عن الجوازتين اللي مشوفتش فيهم يوم عدل في السرير!»
​غمز له "شريف" بخلطٍ ومكر بعدما فهم مراده:
«ده أنت جبل يا جدع عشان تستحمل كل ده!»
​نفث "باشا" دخان سيجارته المتصاعد بكثافة، واستطرد بصراحةٍ جليّة:
«أنا عايز اتجوز ست من لحم ودم.. تبقى معايا كلها أنوثة، تحسسني برجولتي مش أكلمها عن العلاقة تقولي الجمعية اللي مشاركة فيها! أبقى راجع من العيادة، تخليني أنسى كل المشاكل اللي سمعتها من المرضى!»
​انتقل الحديث إلى "عاصي" الذي قال بتنهيدة:
«أنا كمان كنت حاسس إني مخنوق وقت جوازي.. لما اتطلقت حسيت إن في حاجة مفتقدها، أو كنت عايز أعيش دور اللي مفتقد البيت علشان اشيل عن كتفي الإحساس بالذنب أن مظلمتهاش..»
​شاركه "شريف" الرأي:
«أنت مكنتش بترجع البيت..»
ثم التفت إلى "أمير" وسأله بتهكم: 
«وأنت يا منيل.. أخبارك إيه مع البت الصغيرة؟»
​انتبه "عاصي" وهتف بغضب:
«أنت على علاقة بعيلة صغيّرة؟!»
​قهقه "أمير" بصلافة وهو يروي خوف الفتاة:
«قلت لها صورك عندي.. البت اترعبت ومن ساعتها قافلة الموبايل!»
​سأله "شريف":
«ولو حد من أهلها عرف هتعمل إيه؟»
​تهكم "أمير" بلامبالاة:
«هتقولهم إيه؟! بحب واحد وبعت له صوري؟!»
​قلّب "عاصي" عينيه حنقاً من طيش شقيقه وتلاعبه بالفتيات وقال:
«أنت مش هتتهد غير لما تلبس نفسك في مصيبة..!»
​فتح "أمير" استوديو الصور على هاتفه، واستعرض الصور أمام أنظارهم الخمسة، فقال له "حمزة" باستنكار:
«دي عيلة صغيرة في ثانوي و دي عجبك فيها إيه؟!»
​تفرس "عاصي" في صورة الفتاة بتمعن، ثم قلّب عينيه وأردف بتحذير:
«خايف عليك لتطلع لك واحدة تخليك تحاسب على القديم والجديد وتخليك تلف حولين نفسك!»
​رد "أمير" بسخرية:
«كان في واحدة زمان أعرفها وعلى علاقة بيها.. عمرها ما وافقت تخليني أشوفها ولا أقابلها!»
​علّق "عاصي":
«أكيد بتفهم!»
​طأطأ "أمير" شفتيه وقال بحديثٍ عابر:
«صدف كانت متعلقة بيا..»

-​في هذه اللحظة، لم يستمع "باشا" لحديثهم الأخير عن "صدف"؛ إذ أتاه اتصالٌ هاتفيٌ هام، فترك المحادثة المرئية مفتوحةً معهم ودلف غرفة الكشف المجاورة، أطرق «باشا» رأسه وهو يطالع زجاج النافذة المطل على عتمة الليل، وأجاب زميله بنبرة لم تحمل من الود شيئا فهناك كره متبادل بين الاتنين:
«مسافر الفجر..»
أغلق «باشا» الهاتف، ودون أن يدري، كان بقراره هذا يغلق آخر بابٍ للشعاع المتبقي من الأمل.. الباب الذي كان مقدراً له أن ينقذ «صدف» من عتمتها!..

​على الجانب الآخر من المدينة..
كانت «صدف» تقبع في ركن غرفتها، تحتضن قدميها إلى صدرها وجسدها ينتفض برعبٍ صامت؛ لم تعد تكتفي بالصمت وخرس لسانها فقط، بل بدأت ترفض الطعام، وتحدق في الفراغ بنظراتٍ ميتة تجردت من كل مظاهر الحياة!!
​جثمت «الحاجة فاطمة» عند قدمي ابنتها، تنهمر دموعها العاجزة بقلة حيلة، بينما كان «صخر» يذرع الرواق خارج الغرفة يضرب كفاً بكف، متسائلاً بصوتٍ مخنوق:
«إيه اللي وصلها للحالة دي..؟!»
​ثم التفت لجميع المتواجدين من العائلة، وهتف بنبرةٍ قاطعة يحثهم فيها على التحرك:
«دورو علي اسم دكتور نفسي..!»
​في تلك اللحظة، تعالت حركة الجميع؛ أخرجوا هواتفهم يفتشون عبر محرك البحث "جوجل" بين أسماء الأطباء، وتقييمات المجمعات الطبية.. وهنا، شردت «ليلى» لثوانٍ، واستقرت عينها على الهاتف؛ إذ تذكرت الحقيقة التي تخفيها عن الجميع! "صدف" كانت قد حجزت بالفعل موعداً سابقاً في عيادة الدكتور «بشر»، ولم تذهب إليه وقتها بسبب حادثة "يوسف".. ولم يكن ذهابها يومها لتعالج انهياراً كثرة أقاويل الناس، بل كانت محاولةً مستميتة منها لتقطع حبال تعلقها المرضي بـ «أمير»!..
​وقفت «ليلى» في حيرةٍ وجزع؛ كيف لها أن تبوح لهم بحقيقة معرفتها للعيادة دون أن تفتح باب الجحيم وتكشف علاقة عمتها السرية بـ «أمير»؟!
​ازدردت «ليلى» ريقها بخوفٍ واضطراب، وحسمت أمرها قائلة بنبرةٍ متصنعة للثبات:
«أنا أعرف دكتور نفسي..»
​اتجهت أنظار الجميع نحوها، وتركزت عينا «صخر» الحادتين على وجهها، وسألها بفضولٍ وشك:
«وأنتِ تعرفي دكتور نفسي منين..؟!»
​انقبض قلبها، وازدادت ضربات صدرها تسارعاً، لكنها أسرعت بالتغطية على ارتباكها قائلة:
«واحدة صاحبتي.. كانت بتتعالج عنده»
​اطمأن قلب «صخر»، وانزاح الشك عن صدره، فعاد ليلتقط أنفاسه وجلس على أطراف المقعد متسائلاً بلهفة:
«اسمه إيه؟ ومواعيده إمتى؟»
​تصفحت «ليلى» شاشة هاتفها بسرعة، وكتبت اسم الطبيب في خانة البحث، لتنسدل أمامها بيانات العيادة بالكامل؛ صورته الشخصية، وتقييمات المرضى الثريّة بحقه، ومواعيد العمل.. رفعت رأسها ونطقت بنبرةٍ سباق مع الزمن:
«اسمه دكتور بشر شوكت المصري.. العيادة مفتوحة، الفترة المسائية بدأت الحجز بالحضور والموبايل!»
عدل «صخر» من جلسته، ووجه كلامه لـ «ليلى» بنبرةٍ هادئة:
«زين هيوصلكم بالعربية و لما تخلصوا اتصلوا به..»

-في تلك الأثناء، كان «سليم» يجلس أمام شاشة حاسوبه المحمول، يتابع بعينين مترقبتين الصفحة الخاصة بموقع إدارة التجنيد، يترقب صدور خطابات الاستدعاء،
ولج «صخر» إلى الغرفة، ووقفت عيناه على الشاشة المضيئة، فسأله بتمهل:
«بتعمل إيه؟»
رد «سليم» دون أن يرفع عينيه عن الشاشة، ويده تعاود إدخال البيانات بتركيز:
«بعمل تحديث للموقع.. النتيجة المفروض تظهر...»
سكن «صخر» لثوانٍ، وتأمل ملامح نجله بنظرة دافئة خالطها شجن حنون، ثم سأله بصوت خفيض:
«دي أول مرة هتسافر وتبعد عني يا سليم..»
تبسم «سليم» محاولاً إزاحة الثقل عن كاهل والده، وقال بفكاهة:
«أهو ترتاح من واحد فينا!»
وفجأة، تحولت الشاشة لتعرض البيانات الجديدة. انتبه «سليم» واعتدل في جلسته قائلاً:
«النتيجة ظهرت..»
اقترب «صخر» وجلس جواره، وعيناه تتفحصان السطور المكتوبة بريبة، وما إن وقعت عيناه على خانة التوزيع حتى اتسعت حدقتاه بذهول، ونطق بنبرة امتزجت بالصدمة:
«ظابط احتياطي!..»

-​وفي الغرفة المجاورة، كانت «صافي» تستلقي على الفراش، تذكرت عرض عمها على والدتها تلك المقايضة القاسية: أن تتزوج «صافي» من أبنه «سليم» مقابل التنازل عن وصاية الرضيع «كريم» وإعادته لأحضان أمه.. فضحت «صافي» بنفسها وقبلت الهوان قرباناً لحرية شقيقها الرضيع..
​تناهت إلى مسامعها أصوات العائلة في الخارج وهم يلتفون حوله بين مُهنئٍ ومداعب، يحتفلون بصدور خطابه كـ «ضابط احتياط»..​ربضت «صافي» فوق السرير، وجسدها يرتجف من أثر الخبر؛ سيذهب إلى الخدمة العسكرية ..

-وفي الخارج، استمرت الأجواء المبهجة والمزاح الخفيف بين الأشقاء الثلاثة، غير أن «صخر» انسحب هادئاً من بينهم، ودلف إلى غرفة شقيقته «صدف».
توقف أمام الفراش، ثم جلس قبالتها، ونظر في عينيها بنبرة حانية يملؤها الرجاء:
«خلينا نروح لدكتور يا صدف..»
ترقرقت الدموع في عيني «صدف» وهي تطالع ملامح وجهه التي أضناها القلق والتعب من أجلها، فأومأت برأسها في إيجابٍ حزين، شفقاتٍ عليه وعلى حاله..
عدل «صخر» من وقفته وهو يمسح على رأسها، وقال بنبرة هادئة وعملية:
«أنا هوصلكم بالعربية..»

-​ساد السكون في أرجاء الشقة، بينما كانت «ليلى» تتابع هاتفها لتنسيق الحجز مع سكرتيرة العيادة، التي بادرتها بنبرةٍ جافة وعملية:
«الساعة بقت تسعة ونص،كده هتكون آخر حالة في الإنتظار!»
​حاولت «ليلى» تلطيف حدة الموقف واستعطافها بابتسامةٍ خفيفة عبر سماعة الهاتف:
«ما تدخلينا بدري ومش هنختلف!»
​صمتت السكرتيرة لثوانٍ تدبر فيها جدول المواعيد، قبل أن تجيبها بنبرةٍ ألين:
«لو جيت كمان نصف ساعة هدخلك، إسمها أيه..»
أخبرتها «ليلي» وهي تنظر إلى والدها الذي خرج من غرفة «صدف» :
«صدف صالح الجبالي»
أنهت ليلي المكالمة الهاتفية و أخبرت والدها:
«لازم حجز قبلها و إلا هنفضل إنتظار اتفقت مع السكرتيرة تدخلنا كمان نصف ساعة»

-تذكرت صافي مواجهتها السابقة مع «سليم» حين سألته بوجهٍ شاحب عما سرّبت لها أمها، وعما إذا كان على علمٍ بتلك المساومة، فأجابها ببرودٍ واستعلاء أضمر التشفي بأنه يعلم كل شيء.. كان يبتغي إخضاع كبريائها في بادئ الأمر، قبل أن ينسرب إعجابه بها إلى أوردته، فينزعنّ إلى قبول هذا الزواج،كانا يظنان أن شجارهما الضاري ليس إلا بغضاً ومقتاً دفينين، دون أن يدرك أنهما يتدرعان بالغضب فراراً من عشقٍ يستعر في خفية! ..
ضمت شقيقها الرضيع إلى صدرها بقوة، وهمست في أذنه بسِرها المكتوم ونبرة تخنقها العبرات: «هيروح الجيش.. ويبعد عني..»

-نطقت السكرتيرة بالاسم:
«صدف صالح الجبالي..»
فارتجفت يد «صدف» وانقبض صدرها بتوترٍ مفاجئ؛ امتدت كفها المرتعشة لتمسك بيد «ليلى» بخجل واضطرابٍ ظاهر، انتبه «صخر» لتردد شقيقته، فمال ونظر إلى «ليلى» قائلاً بنبرةٍ هادئة:
«ادخلي معاها.»
ولجت «صدف» بخطواتٍ متراجعة تتكئ على وجود «ليلى» بجوارها، بينما انسحب «صخر» نحو الممر، وأخرج علبة سجائره ليعبر عن قلقه المكتوم،أشعل سيجارته ونفث دخانها بهدوء، لتلتفت إليه السكرتيرة
التي اعتلت الدهشة ملامحَهُا الرصينة:
«السيجارة يا أستاذ..!»
رمقها «صخر» بطرف عينيه بثقةٍ وشيطنة شعبية، مد يده داخل جيبه وأخرج سيجارة أخرى من العلبة وقدمها لها بنبرة ساخرة:
«أنتِ ليك في السجاير؟..»
ضحكت السكرتيرة بذهول من جراءته وردة فعله غير المتوقعة، وأشارت إلى اليافطة المعلقة خلفها قائلة:
«ممنوع شرب السجاير في العيادة..!»

-دلت «صدف» بخطواتٍ ثقيلة إلى غرفة الكشف، كان الهدوء يخيم على المكان، وصوت قطرات الماء يتناهى خفيفاً من الغرفة الملحقة بها، جالت بسبابتها وعينيها الحائرتين بين الشهادات المعلقة على الجدران، وتلك اللوحة التجريدية المقابلة للمكتب..
وفجأة، انقطع صوت الماء..
انفتح الباب الجانبي، وخرج منه «بشر» يجفف يديه بمنشفة صغيرة، ليرفع رأسه ببطء فتلتقي عيناه بعينيها..

نهاية الليلة الثلاثين