حارة العاشقين: الليلة الثامنة والعشرون
من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة: علي بابا والأربعين حرامي (ج1)
ولجت «مريم» عتبة الحمام في حالةٍ من الذهول التام، تسيرُ بخطى مضطربة كمن تطأ أرضاً غير مرئية،شخصت عينها في أركان المكان، وهمست لنفسها بذهولٍ طفولي خالص:
«يالهوي الحمام لوحده قد الاستراحة اللي بناكل فيها!»
رفعت كفيها المرتجفتين لتعلق أسمالها البالية على الشماعات المعدنية البراقة، ومضت تتنقل ببلاهة ساحرة حتى وقعت عينها على حوض الإستحمام الرخامي، فغمغمت بلسانٍ يعلوه العجب:
«ده بانيو حقيقي عيشت عمري كله أشوفه في التلفزيون!»
أخذت تتفقد الرفوف الرخامية تبحث عن مرادها، تدير عينيها هنا وهناك دون جدوى، فتمتمت مستنكرة:
«حمام طويل عريض، و مفيهوش صابونة؟!»
أخرجت رأسها الصغير من فتحة الباب الموارب، ونادت بصوتٍ متردد يكسوه الحياء:«يا أستاذ!»
التفت «باشا الصغير» بنظراته الصارمة نسيج هدوئه، متسائلاً باستغراب:«مدخلتيش الحمام ليه؟»
أجابت بجسدٍ ينكمش خجلاً:
«مفيش صابونة..»
أشار بسبابته إلى المجموعات العطرية والزجاجات المصنوعة من الكريستال المصفوفة بجانب الحوض قائلاً:
«في شامبو، و بلسم، و شاور جل، وغسول أيد..»
اتسعت شفتا «مريم» ببلاهة متناهية وهي تكرر خلفه بذهول:«ها؟!»
رمقها بعدم فهم وأردف متسائلاً:
«أنت بتستحمي و تغسلي أيديك بأيه؟»
وضعت مريم كفيها فوق خصرها بكبرياءٍ شوارعيٍّ مضحك، وأجابت بنبرةٍ ينضح منها الفخر:«بالصابون النبُلسي يا أستاذ!»
ثم جمعت رؤوس أصابعها وقبلت هواؤها بشفتيها معبرةً عن جودته:
«و بعدها نحط كولونيا خمس خمسات، و جاز من الصفيحة و تبقي آخر حلاوة!»
تنهد «باشا الصغير» بقلة حيلة، ثم باعد بين جسدها والباب ليفسح لنفسه مجالاً للدخول، التقط زجاجات التنظيف العطرية واحدة تلو الأخرى، وجعل يشرح لها بأسلوبٍ لطيف وظيفة كل غرض وطريقة استخدامه،كانت مريم تتسمع إليه بابتسامةٍ عريضة تملأ وجهها البسيط، غير أن تفاصيل ملامحها تغيرت تماماً وانعقد لسانها حين وصل في شرحه إلى العلبة الأخيرة الشفافة التي تحوي "الفوط الصحية"؛ احمرّت وجنتاها وتوردت أذناها خجلاً، وحملقت فيه بعينين مجهدتين بالدهشة، فنطقت بتلعثم:
«خلاص أنا هتصرف!»
تهكم عليها بنظرةٍ خبيرة؛ فهو يدرك يقيناً أنها لم تقع عينها على مثل هذه الأدوات العصرية من قبل، وهنا لم تجد «مريم» بداً من الاعتراف بمرارة واقعها:
«بصراحة.. أنا عمري ما استخدمت الحاجات في حياتي في الدار..»
مسح الشاب وجهه بكفيه في صمتٍ مذهول؛ كيف يُحرم إنسانٌ من أبسط مقومات الآدمية لهذه الدرجة؟! طأطأت مريم رأسها في خجلٍ أليم، وأزاحت خصلات شعرها المبتلة بالمطر خلف أذنها، ثم أردفت تُفسر سر صدمته بنبرةٍ تقطر حسرة:
«احنا بنستخدم فوط مقصوصة من فوط طويلة و بعد ما نستخدمهم نغسلهم و ننشرهم..»
ألجمت الصدمة لسانه، لكنه دون أن ينطق بكلمة، انحنى بهدوء ليدخل الفوطة الصحية بمهارة داخل السروال الداخلي الجديد ووضع كل شيء في موضعه، ثم أشار لها أن تتبع هذه الطريقة دائماً:
«أنا كنت بشوف مراتي بتعمل كده في الفوط»
تحرك بعدها نحو صنبور المياه، وقام بضبط المؤشر بين الدافئ والبارد ليوازيها، ثم فتح مرش المياه،انتهى دوره هنا، ولم يكن ثمة داعٍ لإحراج الطرفين أكثر من ذلك، فغادر الحمام بهدوء وأغلق الباب خلفه..
أسندت مريم كفيها الرطبتين على الباب المغلق، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ دافئة؛ متعجبةً كيف وصلت الجرأة والصراحة في الحديث بينهما إلى هذا الحد المربك والآمن في آنٍ واحد! ..
أما هو، فقد وقف في منتصف الغرفة التي ينام فيها، مسح وجهه بيده محاولاً استيعاب قسوة العالم الذي يعيش فيه هؤلاء الأيتام، ثم استل هاتفه المحمول وأجرى اتصالاً هاتفياً بالحارس القابع في الخارج ..
-في هذه الأثناء، كان «صخر الصغير» يصعد درجات بناية "الجبالي" بخطواتٍ ثقيلة كأنها جبال،كانت قدماه تتلكآن وكأنهما ترفضان حمله؛ فأي حديثٍ مسموم ذاك الذي يدور خلف الأبواب المغلقة؟ وقف على البسطة بين الطوابق ينتظر نزول «إسماعيل» ليتقصى منه في أي طابقٍ تحديداً تقطن «صفية»..
-على الجانب الآخر، كان «كمال» أول الواصلين إلى الفيلا التي تقطن فيها «كارين» نزل من سيارته وأغلق الباب بخفة، ثم وقف أمام البوابة الرئيسية وضغط على جرس الباب مرة،ثم انتظر، وضغط مرة أخرى فلم يجبه أحد،استرق النظر عبر الواجهة الزجاجية للباب، فالمح «كارين» ممددةً فوق الأريكة في حالة سكونٍ تامة،نقر على الزجاج بسبابته مراراً:«مدام كارين..!»
لم تأته أي إجابة؛ فابتسم مكراً وهو يدرك أن هذه هي فرصته الذهبية الوحيدة ليظهر في دور البطل المنقذ،تثبت على قدمه اليمنى ودفع الباب بركلةٍ قوية، ثم ثانية وثالثة، حتى انكسر المزلاج ودلف إلى الداخل..
رآها ممددة على الأريكة وشبه غائبة عن الوعي، غير أنها لم تفقد إدراكها بالكامل؛ وكانت تقبض بين أصابع يدها اليمنى على شريط فارغ لدواء مخدر،جثا بجوارها ومسك معصمها يتحسس نبضها،كانت لا تزال على قيد الحياة، لقد حاولت التخلص من حياتها البائسة لكن الموت خذلها! ..
ابتسم «كمال» بظلم؛ فقد أتته الفرصة على طبقٍ من ذهب،أخرج هاتفه المحمول وبدأ يلتقط صوراً فوتوغرافية تجمع بينهما في وضعياتٍ مريبة تمهيداً لابتزازها لاحقاً،كانت كارين تحرك رأسها يميناً وشمالاً بألم، ورأسها يوشك على الانفجار من شدة التفكير والأدوية..
خلع كمال سترة بدلته وألقاها على مسند الأريكة المجزأة، ثم فك الأزرار العلوية لقميصه، ولم ينسَ أن يستلّ قرصاً منشطاً جنسياً من جيب السترة قبل إلقائها،انحنى نحوها ووضع القرص داخل فمها الجاف، فابتلعته جافلةً وهي تحسبه قرصاً آخر من المهدئات..
ازدرد كمال ريقه بشهوةٍ حيوانية وهو يتأمل جمال هذه المرأة المسلوبة الإرادة، فيما كانت كارين تحك رأسها بتعبٍ ومس وتتمتم بحشرجة باسم زوجها الراحل:
«كريم..»
أجابها كمال بنبرةٍ تقطر خسة وخبثاً:
«أنا هنا يا حبيبتي..»
امتدت يداه الأثيمتان لتفكا الأزرار العلوية لفستانها، فتشفقت حمالة صدرها وانكشف الجزء العلوي من صدرها النقي،كانت كارين تحك جبهتها بذعرٍ وتعب جراء مفعول المنشط الذي سرى في عروقها كنارٍ مفاجئة، ترتفع حرارة جسدها بلا رحمة،فتحت عينيها بثقل، وشعرت برغبة غريبة تجتاح كيانها، لكنها حين أبصرت الرجل الجالس إلى جوارها وعرفت فيه «كمال» محامي العائلة، انتفضت من مكانها مذعورة، وصرخت فيه بصوتٍ ينضح بالرعب:«أنت دخلت إزاي؟!»
وقعت عين كمال في هذه اللحظة على ندي الصغيرة النائمة فوق الأريكة المجاورة، فسألها بدناءة:«مين دي؟»
صرخت فيه تمنعه من التدخل وتطالب بطرده:«وانت مالك أطلع برة!»
رفَع هاتفه في وجهها يلوح به بمكرٍ قائلاً:
« هخرج لكن عيلة جوزك و بناتك هيشوفوا الصور و هحرموك من ابنك و مش هييقالك غيري!»
لوح بالصور أمام عينيها الذهولين، فوضعت كفها الأيمن فوق شفتيها مصدومة، فاقترب منها برغبةٍ حاقدة وهو يصارحها بدناءته:
«تعالي بمزاجك أحسن لك!»
هجم عليها بغتة، فاستغاثت وصرخت بكل ما أوتيت من قوة:«ابعد عني يا حيوان!!»
دارت بينهما مشاجرة عنيفة على الأرض بعد أن طرحها أرضاً وركب فوق جسدها،همس فوق أذنها بتشفٍّ:
«شوية و المنشط هيبدأ مفعوله و هتترجيني علشان أقرب لك!»
كانت تقاتل باستماعة، تدفعه بكفيها وتخمش وجهه لتبعده عنها، لكنه تمكن من فتح سحاب بنطاله وأنزله،صرخت فيه مجدداً وهي تختنق بدموعها:«ابعد عني!»
أجابها بنبرةٍ متملقة يحاول تهدئتها:
« هشتري لك شقة و تعيشي فيها بدل ما صخر قطع عليك المياه و الكهربا!»
وفجأة.. رمت كارين بصرها نحو البوابة، فأبصرت شقيق زوجها يطل عند العتبة، يقف متصلباً من هول الصدمة بملامح كالجبال. انفرجت شفتاها عن ابتسامةِ إغاثة؛ فهي تعلم أنه رغم قسوته لن يتركها لقمةً سائغة لهذا الوحش..
باعد كمال عن جسدها فجأة بعد أن دُفع بقدمٍ فولاذية من شقيق الزوج، فسقط جانباً.. انفرجت ذراعا كارين على الأرض، وأخذت تلملم أطراف فستانها الممزق بمرارة، بينما استقر الرعب المطبق في عيني كمال..
لم ينطق «صخر» بكلمة واحدة.. لم يسبه، ولم يصرخ.. كان صمته المُرعب أشد هوماً من كل اللعنات! أخذ كمال يبرر فعلته متوسلاً بنبرةٍ متقطعة أن يتركه وشأنه، بينما استلّ صخر قداحته الفضية من جيب معطفه، وأقدح لهبها الصغير، ثم التفت نحو كارين وقيل بصوتٍ خفيض كالرعد:
«كارين.. هات سكينة من المطبخ!»
امتثلت كارين لأمره فوراً، وركضت أقدامها نحو المطبخ بقلبٍ يخفق برعبٍ مستطير..
نهاية الليلة الثامنة والعشرين