حارة العاشقين: الليلة الثانية والثلاثين
انقضت الجلسة الأولى أخيراً، ليرخي الليل سدوله على فضاء الغرفة المشحون؛ كان «باشا» هو من وضع نقطة النهاية لماراثون الاستفزاز البارد، بعدما بلغت الحرب النفسية بينهما ذروتها، تحرك في مقعده بأريحية، ثم ألقى بجملته الأخيرة التي جاءت كقطرة غيثٍ مسموم يكسر به صمودها:
«وقت الجلسة انتهى.. وأنتِ مجاوبتيش على الأسئلة!»
اعتصرت «صدف» القلم بين أناملها حتى كادت الألياف البلاستيكية تتشقق من شدة ضغطها؛ كان صدرها يعلو ويهبط في محاولةٍ مستميتة لاستعادة مجرى تنفسها المنتظم.. رمقها «باشا» بنظرةٍ فاحصة، ثم قلّب الورقة التي دونت عليها خوالجها الصامتة، وسألها بنبرةٍ تخلو من التكلف:
«كتبتِ: بحلم برجل ومش بشوف وشه.. وبعدها رجعتِ شطبتِ على الإجابة ورجعتِ كتبتِ رسمت ملامح الرجل اللي بتحلمي بيه كل ليلة.. وشطبتِ تاني، الرجل ده مضايقك في حاجة؟»
لم تنطق بكلمة؛ بل امتدت يدها ترسم بالحبر خطوطاً حادة على الورق، مسطرةً إجابتها الوحيدة بثباتٍ مرتعش: «بحلم برجل شايل طفل في إيديه»..
قرأ الإجابة بتمعن، ثم رفع حدقتيه إليها وانسابت إشارته الهادئة:
«ينفع تجيب لي الرسمة الجلسة الجاية؟»
ألقت القلم فوق سطح المكتب الخشبي بصوتٍ جاف، وجلست تفرك كفيها ببعضهما في اضطرابٍ جلي،لمح «باشا» ريبتها، فأراد أن يسكب في صدرها طمأنينة زائفة تحميها وتحفظ سرها، فقال بلهجةٍ واثقة:
«مش هقول لحد..»
أومأت برأسها إيجاباً ودون أن تنبس ببنت شفة، ثم استقامت في وقفتها بخطى واهنة، تناول هو كارت المتابعة، وخط عليه موعد الاستشارة القادمة، لتمتد يدها وتلتقطه قبل أن تغادر الغرفة وتدفع المزلاج خلفها..
أغلق «باشا» عينيه في عتمة المقعد، يبغي الفراق عن هذا المجرى الضاحك وزخم الشكايات التي تنخر في رأسه، ثنى جذعه وأسند رأسه إلى سطح المكتب الخشبي، قبل أن يطلق زفرة متهكمة ويهتف بسخريةٍ مجهدة:«الولية دي قلبت دماغي!»
في قاعة الانتظار، استقبل «صخر» شقيقته بخطواتٍ حثيثة، ومسح وجهها بنظرةٍ تحفها الشفقة، متسائلاً:«حاسة أنك أحسن؟»
قلبت «صدف» عينيها بتهكمٍ صامت ينطق بالرفض والازدراء لذلك الطبيب ورعايته،أدرك «صخر» استياءها، فالتفت إلى ابنته «ليلى» وأشار إليها بالدخول ليستجلي الحقيقة من صاحب الشأن،هزت «ليلى» رأسها انصياعاً، وقرعت باب العيادة بضرباتٍ خفيفة..
كان وقت العمل الرسمي قد انقضى، ورفع «باشا» رأسه عن المكتب وهو يجيب بنبرةٍ خافتة:«ادخل..»
أدارت «ليلى» مقبض الباب ودلفت بحرج، ملقيةً بتأنيث اعتذارها:
«أنا آسفة.. عارفة إن ميعاد العيادة انتهى وإننا آخر حالة، لكن أنا رجعت أسألك عن حالة صدف.»
اعتدل «باشا» في جلسته، وارتسمت على شفتيه ابتسامته المعهودة ذات الطابع اللطيف والمستفز في آنٍ واحد، ثم أجابها:
«صدف حالياً مش طايقاني.. وممكن تفكر متجيش الجلسة الجاية.»
ثم أردف بثقة:
«وده اللي أنا عايزه!»
عقدت «ليلى» حاجبيها بحيرة، ولم تتفهم مغزى حديثه:
«يعني إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!»
أوضح لها «باشا» أسلوبه في العلاج:
«هي هتشوف إن كلامي مستفز،و لازم تعمل أي رد فعل ترد عليا به طالما مش قادرة تنطق.»
استكانت «ليلى» للحديث وأبدت أسفها الرقيق:
«أنا آسفة لحضرتك.. صدف طيبة جداً وعمرها ما فكرت تأذي حد، هي صدمتها النهاردة كانت كبيرة؛ لأن السماعة كانت مفتوحة وسمعت المكالمة كلها، وتهديد أم العريس إنها هتفضحها في جروبات الجواز لأنها مش شبه الصورة.. ده غير إن نفسيتها اتدمرت من كلام العيلة والشارع والعمارة إن اللي أصغر منها اتجوزوا ومعاهم أطفال وهي لسة،صدف كانت أجمل واحدة في بنات العيلة، وكان أي واحد في الشارع يتمنى يتجوزها، كانوا مسمينها السفيرة العزيزة.. أهي دي اللي من كتر خطابها بارت!»
أسند «باشا» كفه الأيسر إلى خده يصغي إلى الحصاد المرير بملامح يغشاها الأسى الصامت، ثم سألها:
«اسمك إيه؟»
تبسمت «ليلى» وقالت:
«اسمي ليلي.»
أحاطها بنبرةٍ حاسمة تتجاوز حدود العاطفة المجردة:
«صدف لازم تخرج من القوقعة اللي عايشة فيها.. مش شرط تتعرف على ناس جديدة، بس تغير من نفسها. الحياة مش كلها تفكير في الجواز، ولو شغلت نفسها بحاجة هيبعد التفكير ده عن دماغها بنسبة كبيرة.. هي كتبت إنها بتحب الرسم؟»
أومأت «ليلى» برأسها إيجاباً:
«بترسم لوحات.»
مرر «باشا» كفيه على وجهه وهو يزفر بتعبٍ دفين:
«خليها تشترك في جيم.. الطاقة السلبية دي لازم تطلع.»
ثم تناول من درج مكتبه بطاقة جلسات علاجية مكثفة، وقال وهو يمدها إليها:
«دي جلسات الدعم الجماعي.. هدفها الفضفضة الخروج من عزلتها تتكلم مع ناس غريبة، و لو عايزة تسمع من غير ما تحكي لحد في محاضرات ليا تلت أيام في الأسبوع..»
في بيت الجبالي..
قرعت الأكف الباب الخشبي، فبادرت «مياسين» بفتحه، لتقف أمام مشهدٍ أشبه بصراع الزوجات على النفوذ؛ كانت «كارين» تقف عند العتبة، واضعةً حقيبة سفرها الضخمة على الأرض..
زفرت «كارين» بضيقٍ شديد، وتخطتها دون أن تعيرها أدنى اهتمام كأنها طيفٌ لا وجود له، ثم ألقت حقيبتها في الرداء ونادت بصوتٍ متهدج يرن في أرجاء البيت:
«صافي! .. جيهان!»
انسربت ابتسامة ارتياح على ثغر «صافي» وهي تهرع من فراشها لتستقبل أمها، وتلتها «جيهان» التي تركت كوب القهوة على رخامة المطبخ لتسارع بالحضور،احتضنتها «جيهان» بلهفة وسألتها:
«هتعيشي معانا؟»
اجتمع شمل العائلة في قاعة الصالون؛ حيث اتخذت «كارين» مجلسها قبالتهم، بادرت «الحاجة فاطمة» بترحيبٍ تصنعه الكياسة:
«أخيراً وافقتِ تعيشي معانا؟»
انتزعت «كارين» طفلها الرضيع من بين ذراعي «صافي»، وضمت صغارها إلى صدرها وقالت بنبرةٍ حادة تشوبها التضحية:
«بدل ما أضحي بصافي عشان كريم يرجع لي.. أنا جيت من نفسي!»
شخصت أبصار «الحاجة فاطمة» بحرجٍ جليّ من مساومة نجلها، فيما كان «سليم» يرابط عند إطار الباب الخشبي كالمسلوب، يتأكل غيظاً بعدما أطاحت هذه المرأة بآخر أوراق خطته الدنيئة، رمقته «كارين» بنظرةٍ جانبية خاطفة، ثم قبلت رأس رضيعها وهي تستقر بعينيها في ملامح «الحاج صالح»، الذي أطرق رأسه خجلاً من انصياع نجله وموافقته على ذلك الابتزاز..
أردفت «كارين» بلهجةٍ حاسمة شقت صمت المكان:
«انا جيت أحضر كتب كتاب صافي وسليم؟»
ارتخت التشنجات عن وجوه الحاضرين، وتنفس «سليم» الصعداء محاولاً رسم تبسمةٍ هادئة، بينما انقبضت ملامح «صافي» بذهول؛ إذ لم تفهم ما يعتمل في عقل أمها..
أعلنت «كارين» موقفها النهائي بثبات:
«أنا موافقة على كتب كتابهم..»
جلس «سليم» على المقعد القريب منها مستبشراً، لكنها باغتته بسلسلة شروطها القاسية التي هبطت عليه كالصاعقة:
«أنت هتروح الجيش مع ألف سلامة.. وصافي هتفضل معايا في الاوضة مستنية رجوعك، تكون عملت لها شقتها وهي جهزت فستان الفرح على أقل من مهلها!»
مسح «سليم» وجهه بكفيه وأطلق ضحكة تهكمية زافرة:
«يعني هيبقي كتب كتاب من غير دخلة؟!»
ردت عليه «كارين» بابتسامةٍ سخرية أشد قسوة:
«أنت وشطارتك.. خلصت الشقة بسرعة صافي هتبقى مراتك!»
تبسمت «الحاجة فاطمة» محاولةً التهدئة، غير أن «نجوى» انتفضت تدافع عن كبرياء نجلها بسخط:
«يعني إيه مش هتبقى مراته بعد كتب الكتاب؟!»
اطوقت «كارين» طفلها بقوة، وقالت بجفافٍ صارم:
«والله إحنا لسة على البر.. وأنا رجعت ومفيش مساومة على كريم، لكن أنا موافقة عشان يبقى بينّا نسب!»
رفع «الحاج صالح» يده آمراً بالهدوء:
«استني يا نجوى .. كملي يا كارين، عايزة إيه؟»
استطردت «كارين» بلهجةٍ لا تقبل المساومة:
«أنا طالبة طلبات عادية، دي حفيدتكم وأنا يا مولاي كما خلقتني من بعد موت كريم .. لازم فستان فرح، وكوافير، وقاعة أفراح، وشبكة، ومهر، وشقة تتفرش وجهازها يكمل!»
وقبل أن تفيق العائلة من هول هذه الشروط، عدلت «كارين» جلسة طفلها، وألقت بقنبلةٍ أخيره ببرودٍ يثير الجنون، قائلة وهي تتطلع في وجوههم المذهولة:
«أنا جيت بتاكسي والسواق واقف مستني حسابه..!»
نهاية الليلة الثانية و الثلاثين