رواية حارة العاشقين الليلة الثالثة و الثلاثون

حارة العاشقين: الليلة الثالثة والثلاثون من سلسلة حكايات ألف ليلة وليلة علي بابا و الأربعين حـرامي ج١ 

وقبل أن تفيق العائلة من هول هذه الشروط، عدلت «كارين» جلسة طفلها، وألقت بقنبلةٍ أخيره ببرودٍ يثير الجنون، قائلة وهي تتطلع في وجوههم المذهولة:

«أنا جيت بتاكسي والسواق واقف مستني حسابه..!»

«أنزل حاسب التاكسي يا سليم..»

انطلق صوت «الحاج صالح» وقوراً وقاطعاً، يقطع به الذهول الذي خيّم على ردهة الدار، أومأ «سليم» برأسه إيجاباً ورسم على شفتيه ابتسامةً تتضوع بالغيظ؛ إذ جاءت أرملة عمّه الراحل لتقلب الطاولة فوق رأسه، مجهضةً خططه الخبيثة للظفر بابنتها بعيداً عن أثقال المهر وجهاز العروس..

تطلعت «كارين» في الوجوه المجمهرة حولها، واستفسرت ببرودٍ يغلّف اهتماماً مباغتاً:

«صدف عاملة إيه؟»

نكس «الحاج صالح» رأسه مأزوماً، يغالب خوفاً دفيناً على ابنته التي تتنهد الأوجاع في صمت. بادرت «صافي» بالحل، فافتسحت الطريق لأمها نحو الغرفة الداخلية، بعدما أدركت حجم القلق الشاخص في عيون العائلة. أجلست أمها على طرف الفراش، وسردت لها ما دار منذ البداية: المكالمة المسمومة لأم العريس، الصدمة التي اعترت «صدف»، انحباس صوتها في حنجرتها، وانقادها أخيراً إلى عتبة الطبيب النفسي،

اتسعت حدقتا «كارين» بذهولٍ وازدرت لعابها بسخط..لم تطق «كارين» البقاء في الغرفة؛ خرجت بخطى متأنية إلى الصالون، وتوقفت قبالة «الحاجة فاطمة» تسألها:

«ايه اللي حصل مع صدف؟»

تنهدت «الحاجة فاطمة» بصدرٍ ضيق، وسكبت حرقتها وهي تروي تفاصيل الإهانة التي أطاحت بوقار ابنتها ..

في تلك اللحظة، دفع «سليم» باب الشقة وأغلقه خلفه متبرماً بعدما دفع أجرة التاكسي، التفتت «كارين» نحو «الحاجة فاطمة»، وقالت بنبرةٍ قاطعة تخلو من التردد:

«نزلي بوست عام على جروب العرايس!»

شهقت «الحاجة فاطمة» واسترجعت بكفها:

«هكتب إيه؟!هي ناقصة فضايح..!»

فتحت «كارين» سحاب حقيبة يدها بهدوء، وأخرجت محفظتها الجلدية الخاوية من النقود، والتي لم تكن تحوي سوى وُريقاتٍ شخصية وبضعة صور فوتوغرافية قديمة، انتشلت منها صورة لشابٍ وسيم في الأربعينيات من عمره، ذي ملامح حادة وجذابة، وحركتها ببطء أمام عيني «الحاجة فاطمة»..

رمقتها العجوز بعدم فهم، وتساءلت:

«صورة أخوكِ عاصم؟»

سحبت «كارين» هاتفها المحمول، وفتحت تطبيق الكاميرا لتقطت صورةً شمسية دقيقة لتلك الصورة الفوتوغرافية، ثم رفعت رأسها وقالت بذهنٍ متقد بالدهاء:

«أنا هعمل أكونت على الفيسبوك باسم عاصم وبصورته الشخصية.. وأنتِ هتنزلي بوست عام في جروب العرايس بعد أسبوع، عشان ميبانش إننا بنكدب.. هتكتبي فيه: تم بحمد الله خطوبة بنتي وعقبال كل البنات!»

رمقتها «الحاجة فاطمة» بدهشة وتنهدت بضيق وهي تهز رأسها:

«ربنا يهديه .. و ينزل زيارة ،طول عمره لسانه طويل ومكنش بيطيق كريم ولا صخر..»

انقبضت ملامح «كارين»، واستدارت بوجهها جفاءً؛ إذ لم تكن ترغب في الخوض في تفاصيل شقيقها أو نكأ جراح الماضي، بقدر ما كانت تركز على رمي حجر ينقذ هيئة «صدف» ويكيد الشامتين:

«اخوك لو عرف بمشاكلك مع صخر هيرجع هيمسكوا في خناق بعض ثاني و أنا بصراحة مش هسكت كل مرة أعمل خاطر لك أخوك مجنون مش بيقدر يتحكم في أعصابه و ممكن يكسر البيت فوق دماغنا..»


-اقتربت عقارب الساعة من منتصف الليل، والهدوء الثقيل يخيم على أرجاء عيادة الأشعة، بينما كانت «صدف» تُغالب شعوراً مضنياً بالامتلاء؛ إذ تجرعت أرتالاً من المياه بناءً على التعليمات، تمهيداً لفحص المبايض والرحم..

التفتت «ليلى» نحو سكرتيرة العيادة تسألها بقلة صبر:

«هي كده هينفع تدخل للدكتور؟»

ردت السكرتيرة دون أن ترفع عينها عن الأوراق:

«لما المثانة تتملي على الآخر، عشان لو فيه تكيسات مبايض أو أورام ليفية تظهر بوضوح في الأشعة..»

مالت «ليلى» على عمتها وهمست بقلق:

«صدف عايزة تدخلي الحمام؟»

أومأت «صدف» برأسها إيجاباً وهي تغمض عينيها؛ لا تتمنى في هذه اللحظة سوى أن ينتهي هذا الكابوس المجهد وتغادر هذا الجو الخانق،

أدارت السكرتيرة مقبض غرفة الفحص، وأشارت لـ «صدف» بالدخول وهي تقول بلهجةٍ آلية:

«تعالي يا صدف .. مددي هنا وارفعي البلوفر عشان الجيل.»

رمشت «صدف» بأهدابها بخوفٍ ينفض استقرارها، وانقادت للتعليمات بمساعدة «ليلى» التي لم تفارقها لحظة، فيما كان «صخر» يذرع الشارع أمام سيارته المركونة خارج العيادة، يترقب خروجهما بفارغ الصبر..

مرت نصف ساعة بطيئة وثقيلة؛ الطبيب يمرر جهاز السونار فوق بطنها المحقونة بالجيل البارد، ويثقلها بأسئلةٍ تشخيصية متتابعة، و«صدف» تكتفي بهز أهدابها و رأسها بين النفي والإيجاب، عاجزةً عن إخراج حشرجة صوتها المفقود..

أخيراً رفع الطبيب الجهاز، وتناول قطعة ورقية يمسح بها قفازه، ثم قال للسكرتيرة:

«نص ساعة و النتيجة تطلع.»

ارتجف صوت «ليلى» وهي تسأله بوجل:

«هو في حاجة تقلق في السونار؟»

التقط الطبيب ابتسامةً مهنية هادئة ليمتص روعها:

«لأ مفيش حاجة .. إن شاء الله خير.»

ثم التفت إلى «صدف» ببرودٍ يداعب حرجها:

«معلش يا صدف زهقناك .. نصف ساعة كشف و نصف ساعة كمان والنتيجة تظهر..»

لم تتبدد هواجس «ليلى»؛ فنوعية الأسئلة التي طرحها الطبيب عن انتظام دوراتها الشهرية وطبيعة الأوجاع التي تأكل جسدها لم تكن تبشر بالارتياح، مسحت «صدف» الجيل الطبي عن بطنها بالمناديل، وعدلت ملابسها بخطى واهنة، ثم خرجتا لِتجلسا على مقاعد الانتظار المتقابلة، كان الوقت يمر كأنه دهرٌ ثقيل؛ «صخر» يكتوي بالانتظار في عتمة الشارع، و«ليلى» و«صدف» تصارعان صمتاً مريباً داخل جدران العيادة..


وفي بقعةٍ أخرى من المدينة..

أنهت «ياسمين» نوبة عملها في دار الأيتام، وحملت حقيبتها وهي تجري مكالمة هاتفية متكررة مع شقيقها «باشا الصغير»، تتوقع منه أن يأتي ليقلها كما وعدها،زفرت بضيق وحرّكت شفتيها بتمتمةٍ غاضبة حين جاءها الصوت الآلي:

«الهاتف المطلوب غير متاح حالياً..»

تهكمت على إهمال شقيقها وهي تغلق الهاتف:

«أكيد نسي يشحن الموبايل كالعادة!»

في ذلك الوقت، كان «باشا الصغير» مستغرقاً في نومٍ عميق، غافلاً عن كل ما يدور حوله. في حين كانت «مريم» تتسلل بخطى خافضة، متجهزةً للعودة إلى دار الأيتام؛ حيث مضجعها المعهود ومأواها الوحيد، أدارت مقبض باب الشقة برفقٍ شديد كي لا توقظه، ودلفت للخارج ثم أغلقت الباب خلفها،

لكن خطوتها لم تكتمل؛ إذ جابهها حارس البيت بصوته الغليظ:

«عايزة حاجة يا آنسة؟»

أومأت «مريم» برأسها نفياً وهي تحاول التملص:

«لأ مش عايزة حاجة..»

رفع الحارس ساعته نحو الضوء الخافت، وقال بريبةٍ متأهبة:

«يا آنسة الساعة داخِلة على واحدة!! هتخرجي لوحدك في وقت زي ده إزاي؟!»

زفرت بضيقٍ ونبرة حادة:

«ملكش دعوة بيا .. خليني أخرج!»

أثارت حركتها المضطربة وقلقها الجلي شكوك الحارس، فقبض على ذراعها بغلظة وهتف بصوتٍ متهجم:

«أنت شكلِك حرامية! من ساعة ما جيتي الصبح مع آدم بيه وأنا شاكك فيك!»

رفعت حاجبيها بدهشةٍ مباغتة، واندفعت تسأله عن اسم ذلك الوسيم الذي أنقذها:

«هو اسمه آدم؟!»

شد الحارس على ذراعها بقوة وصاح بأعلى صوته نادياً في ردهة العمارة:

«يا سعادة الباشا!.. يا آدم بيه! البت دي حرامية و لقيتها بتتسحب وعايزة تهرب!»

صرخت «مريم» بذعر وهي تحاول الفكاك من قبضته:

«أنا مش حرامية! سيبني أمشي الباب هيتقفل ومش هعرف أدخل .. منك لله!»

انفتحت ضلفة الباب وخرج «باشا الصغير» يفرك عينيه على وقع الصخب، متسائلاً باستنكار:

«فيه إيه يا إبراهيم؟!»

أجابه الحارس بفخرٍ واهم:

«البت دي حرامية! ظبطها بتتسحب وعايزة تهرب باللي سرقته!»

ارتسم الذهول على ملامح «باشا الصغير»؛ أيعقل أن تكون لصة بعد كل ما قدمه لها من إيواءٍ وحماية؟! قاطعت «مريم» نظرة الخيبة والاتهام التي رأتها في عينيه، وهتفت بنبرةٍ باكية تتوسل تصديقه:

«..والله العظيم يا آدم بيه ما كنت هسرق حاجة!.. أنا كنت عايزة أمشي عشان الساعة قربت علي واحدة وباب الدار هيتقفل ومش هعرف أدخل!..»

نهاية الليلة الثالثة و الثلاثون